ثلاثة رجال في قارب.. كيف يمكن أن نحيا دون الاحتفاء بفلسفة الكذب!

فصل “فن صيد السمك” يتحدث الكاتب عن عقلية جزء من البشر وهم الصيادون، ورغبتهم بتحقيق ما لا يستطيعون، تماماً مثل الكائن الإنساني العادي في أي موضوع آخر، إنها نزعة للتخيّل وإضفاء الرغبة بالضحك على حقيقة الأشياء وجمودها.

الأيام السورية؛ خالد علوش

يقوم عمل الكاتب البريطاني جيروم كلابكا جيروم، على سرد فكاهي وتصوير جزء من الحياة الإنكليزية المكانية وآثارها ومحملة بعناصر السلوك المستهتر للشخوص، إنها تجسيد لفن المغامرة وأدب الرحلات بكل ما تتضمنه من معنى بسيط داخلي بين مدينتين إنكليزيتين.

الرواية تقوم على حبكة بسيطة وسرد سلس، يتوضح فيها مستوى غباء الشخوص وسذاجتهم وتحميلهم لكل الأمور السلبية التي تحصل معهم إلى العالم الخارجي، الجميع بالنسبة إليهم متآمر عليهم، دون أن يستوعبوا أنهم السبب الرئيسي فيما يجري بهم من أمور سخيفة. وهذه هي النقطة الجوهرية التي جعلت عمل جيروم كتاباً فكاهياً من الطراز الرفيع.

إننا نعيش تجربة أشبه بمعناها الفوضوي المنغلق لكنها منفتحة في نفس الوقت من ناحية الأفكار ودعاباتها الثقيلة جداً. فخلف التهكميّة والسذاجة وعدم المعرفة والتصرفات الهوجاء والبلاهة المرتبطة بالشخصيات الثلاثة، تكمن نزعة فلسفية في فكر جيروم وهي الكذب كمعنى فكاهي ومضِّر وأساسي أيضاً في إكمال معنى الحياة.

يمكن أن نشرح الفكرة من خلال سؤال، لو لم يكن هؤلاء الثلاثة “جيروم وهاريس وجورج” مع كلبهم مونتمرينسى قادرين على خلق ذلك المستوى من الكذب الفكاهي أو المبالغة بالسلوكيات وتحميل أنفسهم عبء ما لا يطيقون ومتبجحون بقدرتهم أو معرفتهم التاريخية بتلك المواضيع وإثبات فشلهم من خلال النتائج الكارثية التي تصل بهم إلى نوع من المواقف الكوميدية، فكيف يمكن لنا أن نشعر بالضحك خلال العمل كاملاً؟.

إننا بحاجة إلى خيال مميز يرتفع بنا إلى مستوى ثقافي آخر من الواقع، وذلك لا يتحقق إلا بواسطة الكذب. الفكاهة لا تكون فكاهة إلا بإضفاء طابع المبالغة على حقيقة الحدث، إنه في المضمون كذب، لأنه ليس صادقاً كلياً.

خلف تلك السلوكيات والأقوال المبالغ بها والوصول إلى مراحل من كشف الحقائق، تكمن بعض المعاني لفكرة أننا ككائنات بشرية اليوم ومستقلين عن فكرة الأدب ككوميديا أو تراجيديا، لكن لا يمكن أن نخلق الفكاهة دون كذب، الكذب ضرورة للمتعة وحقن الدماغ والقلب بالأدرنيالين؛ قراءة عمل جيروم “ثلاثة رجال في قارب” توضح جلياً هذا المعنى لإنعاش الخيال والدماغ.

في فصل “فن صيد السمك” يتحدث جيروم عن الصيادين ويقول في معرض الحديث:

إلقاء الأكاذيب غير الفنيّة يُعتبر أمراً عديم النفع. المهارة الحقيقة تكمن في سرد التفاصيل الفنيّة واللمسات الصغيرة وإضفاء جو من الحقيقة على ما تقول.

فصل “فن صيد السمك” يتحدث الكاتب عن عقلية جزء من البشر وهم الصيادون، ورغبتهم بتحقيق ما لا يستطيعون، تماماً مثل الكائن الإنساني العادي في أي موضوع آخر، إنها نزعة للتخيّل وإضفاء الرغبة بالضحك على حقيقة الأشياء وجمودها.

هل يمكن أن نشعر بالإثارة عندما نكون صادقين للأبد! هل يمكن أن يبدأ الخيال بالعمل لإنتاج الفن! هل يمكن أن نحقق الذات أو الهدف لمجرد أننا نقول ما يجب قوله فقط!.

جيروم كلابكا جيروم

جميع الفصول في الرواية يمكن أن نتوقف عندها لمناقشة فلسفية الكذب التي من خلالها خلقت في العمل كاملاً رؤية ممتعة وفكاهية، لكن ما جعلني أتوقف عند فصل “فن صيد السمك” هو إمكانية إسقاط سلوك أي صياد وطريقة حديثه على مجمل تفاصيل الحياة الأخرى، إنها إدانة غير مباشرة للإنسان الباحث عن المتعة.

فتحقيق الشيء من خلال أن يكون قائماً بذاته وصادقاً يمكن أن يخلق فينا كائنات شجاعة لكنه لا يخلق منّا كائنات فكاهية تستطيع تقديم الضحك للآخرين.

تماماً عندما نجلس في مقهى أو نقف في شارع ونصغي لرجل ما يتحدث عن مغامراته النسائية أو صراعه مع حيوان في بريّة، أو جداله مع جامعي فأحرجه أو تشابكه بالأيدي مع خمسة رجال فتغلب عليهم. الجميع يعلم مقدار الكذب في تلك الحكايات لكن الجميع قادر على الضحك على شيء غير حقيقي والجميع قادر على إيهام نفسه بالتصديق، والجميع يخرج مسروراً.

أليس هذا هو جزء من كينونة فكرية وذاتية تجعلنا نبحث عن الكائنات الكاذبة للشعور بالرضا أمام الحقيقة الجامدة والصادقة التي يجب أن نعيشها كما أتقنتها جميع الشرائع الفكرية والدينية والأخلاقية في الحياة؟.

إننا بحاجة إلى خيال مميز يرتفع بنا إلى مستوى ثقافي آخر من الواقع، وذلك لا يتحقق إلا بواسطة الكذب. الفكاهة لا تكون فكاهة إلا بإضفاء طابع المبالغة على حقيقة الحدث، إنه في المضمون كذب، لأنه ليس صادقاً كلياً.

خلف تلك السلوكيات والأقوال المبالغ بها والوصول إلى مراحل من كشف الحقائق، تكمن بعض المعاني لفكرة أننا ككائنات بشرية اليوم ومستقلين عن فكرة الأدب ككوميديا أو تراجيديا، لكن لا يمكن أن نخلق الفكاهة دون كذب.

العمل احتفالية بفلسفية الكذب، إننا نتعامل مع الغباء اللذيذ القادر على خلق الموقف الكوميدي من خلال شخوص يريدون إثبات ذواتهم بأي طريقة كانت حتى وإن أضحت تدميرية بالنسبة للذات أو للآخرين. رواية غبيّة جداً بشخوصها وتحمل ترتيلات من الطروحات الفكرية التي ستجعلنا نقف حولها مطولاً لنعيد رؤية ذواتنا الصادقة أو التي نظنها صادقة نسبياً.

لا وجود لفكاهة دون شخص كاذب، لا يمكن أن تكون فكاهياً دون أن تكون كاذباً، إنها ببساطة رؤية جيروم الأدبية والفلسفية، وبتصوري هي صادقة لدرجة يمكن أن نفهمها عندما نتلذذ بقراءة هذا العمل، ونستمتع بمبالغات هاريس التي خلقت منه كائناً تدميرياً ومزعجاً للآخرين أو جورج الذي يعاني توهمات مرضية تخلق منه شخصية فكاهية من طراز آخر وغاضبة ومتحسسة أو حتى جيروم نفسه الذي يريد أن يكون مختلفاً من ناحية تسابق مع صديقيه في إثبات ذاته القادرة على فعل أي شيء.

هذا العمل احتفاء بالكذب الممتع والخيال الصاخب والتجربة التي تجعلنا نعيد التفكير فيما نحن عليه وما نمارسه فعلياً في أيامنا.

غلاف الرواية(فيسوك)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.