ثقافة الاستبداد

خاص للأيام
بقلم: د. محمد محمود
في الثمانيات خاطب امام الجامع خطبة الجمعة في أحد جوامع حلب ، و كانت المناسبة حركة التصحيحية ، فخاطب في المصلين و عدد منجزات حافظ الاسد في سورية ، و قال من ضمن منجزاته بناء الكعبة .!!
لذا فأن الفساد يولد الاستبداد ، فالمستبد يضغط على العقل و يشوه و يجرد الانسان من أنسانيته ، و يتلاعب بحقوق الانسان و يضطهد و يقمع الرأي الآخر ، و يتلاعب بالدين و يطبقه حسب مصالحه السلطوية و يفسده و يشارك الله من خلال أنه الحاكم وهو آله الاوحد و القائد الآبدي الذي لا يقهر ، و يحارب العلم و يهجر العقول المتنورة و يزرع ثقافة الاستبداد في المناهج الدراسية و خاصة في المراحل الأولى للتلاعب بعقول الأطفال و المراهقين و يفسد العلم و العلوم .
و قد كان أبن خلدون يركز على أن الاستبداد و الظلم و الفساد و القمع يحول الناس الى شخصيات ضعيفة فيها كذب و مكر و تملق ، و عندئذ فلا خير فيهم ، فلا هم يستطيعون المطالبة بشيء قوي ، و لا الموافق اذا طالبهم أحد . و بهذا تتحول الشعب الى غالبية منافقة ، و يتحول رجال الفكر و العلم و الدين الى التعلق بالرسوم و الاشكال ، و تصبح مهمة أصحاب العلم تبرير للمستبد و تصديقه و ترويج لبضاعته الفاسدة .
الطفولة .. و ثقافة الاستبداد :
استلهم حافظ الاسد نماذج التعليم القمعية ، من هتلر المانيا ، و موسوليني ايطاليا و ستالين روسيا ، و عندما نقرأ تاريخ هذه الانظمة القمعية الاستبدادية في شؤون التعليم و العلم و الثقافة نستقرأ معها حال العلم و التعليم في مؤسسات و منظمات المختلفة في ظل دولة المخابرات للنظام ، بدءا من منظمة طلائع البعث و مرورا بالاتحاد الوطني للشبيبة و اتحاد المعلمين و انتهاء بالمدارس و الجامعات و اعداد شباب و شابات سورية العقائدية . و لم تقتصر الاجواء العسكرية على المدارس في سورية مقارنة ما كانت عليه في عهد موسوليني و انما زادت عليها ، من خلال تنظيمات شبه عسكرية للاطفال و الشباب مشابهة لما أنشأه (( هتلر )) في المانيا منظمة ( أبناء أنثى الذئب ) للاطفال بين 4 الى 8 سنوات و منظمة ( باليلا ) للاطفال بين 8 الى 14 سنة ، و منظمة ( أفانجوارديستا ) للاطفال بين 14 الى 18 سنة كانت تردد شعارات من قبل الاطفال في التنظيمات شبه العسكرية (( أنا أؤمن بروما ، الخالدة أم بلادي .. أؤمن بعبقرية موسوليني ، و ببعث الامبراطورية من موتها )) ، و في حزب البعث في سورية كانت أكثر الشعارات التي رددها طلائع البعث (( الى الأبد .. الى الأبد يا حافظ الاسد …))!
و جعل من الحياة التعليمية الفتية مجرد قطيع اجتماعي و كانت ( رغبة الاسد ) في توسيع قاعدته الشعبية الفاسدة الى ابعد حد ممكن و استخدم مؤسسات المرادفة للحزب في المدارس و الجامعات لاستخدام الحزب عربة رئيسية لبسط نفوذه ، و هو الذي تخلص على رفاقه الامس في الحزب عندما استولى على الحكم بقوة السلاح و النار ، و كانت يتم تعليم التلميذ على قائده الخالد و أبنه الأقل خلودا و على منجزاتهم التاريخية ، من خلال الحديث عن اهم المناسبات الوطنية في سورية الحديثة حسب مفهومهم ، و هي مناسبات في مجملها مرتبطة بشكل او آخر بالقائد و بالحزب و المنجزات كالحديث عن ثورة ( آذار ) و حرب تشرين و حركة التصحيحية و ارفاق كل ذلك بصور الاسد و ابنه .
ثقافة الحقد و الكراهية لخدمة الاستبداد :
الجميع يعلم ان الدور الأكبر في ترسيخ و تكريس ثقافة الاستبداد و التخلف و التصفيق الاعمى هو النظام ، صحيح ان ممارسات النظام لخلق ثقافة الاستبداد لا ينتج بين عشية و ضحاها ، و لكن مع مرور الزمن تنمو هذه الثقافة داخل نفسية المواطن ، فالنظام الشمولي الاستبدادي توجه الناس له . و هذا ما نلاحظه حاليا في كل منطقة من سوريا غالبية الناس تصفق للأقوى حتى لو مختلف معه فكريا .
فثقافة الاستبداد التي عملت عليها النظام الاسدي هي من زرع الكراهية و الحقد في نفوس السوريين ، و تحولت الى أخطبوط مدمر لقيم المحبة و الوئام الاجتماعي الذي كان موجودا في السابق بين أبناء الوطن الواحد ، و ان هذه الثقافة عملت على تنمية روح الكراهية و الحقد و الجهل و التخلف و الضعف و روجت لثقافة السلبية و الخنوع لدى المواطن ، و عملوا على تعطيل التفكير في المقاومة السلمية للفساد و الاستبداد ، و تراكمت الاحتقانات حتى ينفجر بركان الكراهية و الغضب في مظاهر منفلته حتى يدخل المجتمع في دوامة دوائر الصراع المغلقة بين ثقافة الاستبداد و ثقافة الكراهية ، و عمل الاستبداد الاسدي على تغذية نزعات الكراهية عبر استخدام سياسة (( فرق تسد )) بين جميع مكونات المجتمع السوري ، لذا فان ثقافة الاستبداد هي أصل الداء و مصدر البلاء و سبب كثير من الاصابات الفادحة و الأخطاء القاتلة و الشرور الواقعة والآفات الماحقة . و كان حافظ الاسد ماهرا في زرع هذه الثقافات لانه على علم لا يمكن انشأ النظام الاستبدادي و الشمولي دون وجود حاضنة شعبية لثقافة الاستبداد ، فحارب القوميات و الدين و المذاهب و خلق الكره و الحقد لانه يعلم لابد ان تسود في المجتمع هذه الثقافة الفاسدة او لدى نسبة لا بأس بها ، فوجود ثقافة التعصب الديني و القومي و المذهبي و عدم قبول الآخر و الاعتراف بحقوق الجميع في الاختلاف بالرأي و التفكير لايمكن للمستبد ان يسيطر على المجتمع الا من خلال هذه الثغرات ، و في بعض الاحيان يظهر معارضون لنظام المستبد ليس من أجل الحريات و الحقوق العامة للمواطنين التي ينبغي ان يتمتع بها الجميع ، و انما من أجل حرية توجههم السياسي و الفكري تحديدا ، فهم ليسوا ضد الاستبداد في حد ذاته و جميع مظاهره ، و انما ضد استبداد محدد ، فيكون في ذلك الوقت الصراع و النزاع فينتج بين مستبد و مستبد مضاد ، و ليس نزاعا بين الحرية و العدالة و الكرامة و حقوق الانسان من جهة و الاستبداد و الشمولية من جهة أخرى . لذا نجد حاليا من أبناء شعبنا من يتغنى ليلا و نهارا بالديمقراطية و الحرية و المساواة و العدالة الاجتماعية و الاقتصادية فيما يمارسون أبشع و افظع أنواع الاستبداد الحزبي و الفئوي و الطائفي و القومي و الميليشياتي حيث يحاولون تسخير كل مقدرات البلد مثل ما عمل عليه النظام الاسدي لأجل بضعة او آلاف من أفراد هذا الحزب او ذاك ، فأي استبداد أعظم و أبشع و أقبح من هذا ..!!
فأن ثقافة الاستبداد متأصلة في النظام الاسدي القمعي و على أساسها فقد الحياء فأصبح كل شيء لديه مباح من القتل و التشريد و التهجير و الاعتقال و الاختطاف ، مادام يمكن أن يحقق بقاءه في السلطة حتى لا يخسر مملكته و مزرعته .
و بالتوزاي مع ثقافة مقاومة القمع و الظلم و الاستبداد لا بد أن مجتمعنا يحتاج الى ثقافة المحبة و التسامح و السلم الاهلي لنتجاوز ما أنتجته ثقافة الاستبداد من الكراهية و العنف و الاحتقان و التعصب الديني و القومي .
العلم و المثقفين في خدمة الاستبداد :
و كما قالوا في القدم ، لو العلم و القانون يكون بخير فأن البلاد سيكون بالخير ، لذلك فان النظام الاسدي دمر العلم و القانون و افسد كل شيء جميل في سوريا ، و ظهرت على السطح و بشكل جلي (( مثقفو النظام )) أو (( فقهاء السلطة )) ، فهؤلاء وظفوا أنفسهم في خدمة الطغاة و الظلم و الاستبداد بغض النظر عن لونه و جنسه و عرقه و دينه فقط لمصالحهم المادية ، و هؤلاء يجدون دائما مصالحهم مع الاقوى يكرسوا أنفسهم لخدمته و التفاني في الدفاع عنه و عملوا مثل العبيد و البغبغاء في الترويج لهذا النظام . و لتحقيق انتصار الظالم ، و الغريب في الأمر ان اضفاء مفهوم الثقافة على هؤلاء يتنافى مع مفهوم الثقافة بدلالتها الانسانية و الاخلاقية ، لان مفهوم الثقافة الحقيقية هو لخدمة الانسانية ، و لذا يمكن وصف هذه الفئة بأنهم اعداء للثقافة الانسانية و هم في كل الاحوال قتلة مأجورون سفاكو الدماء و سفاحون ديماغوجيون مزيفون و منافقون ، معادون للثقافة التي تتمثل في الخير و الحق و العدالة و التسامح الانساني ، و أفضل مصطلح يمكن ان نطلق على هؤلاء صعاليك الفكر و العلم و مرتزقة السلطان او الامير .
و في ضوء الثورة السورية ، تشتت و تفتت الساحة الفكرية في سورية ، و ظهرت صراعات أيديولوجية بين المثقفين ، فظهرت على المسرح ثلاث تيارات ايديولوجية من المثقفين كرسوا أنفسهم للدفاع عن ثلاث وضعيات أيديولوجية متباينة ، فريق من المثقفين دافع و مازال يدافع عن الحرية و الكرامة و يحارب بفكره و قلمه الظلم و الحقد و الكراهية ، و تقف الى جانب المظلومين من أي جهة كانت ، و فريق دافع و ما يزال يدافع عن الاستبداد و الشمولية و الطغاة و الظالمين و هم أبواق كل ظالم و أمراء الحروب و يقفون مع القوي دائما ، و فريق آخر ركب أمواج الثقافة الطائفية و المذهبية فكرس نفسه و ثقافته في مجال تأجيج مشاعر البدائية الطائفية و العرقية الضيقة ، و من بقى من المثقفين لاذ بالصمت المبين و يقفون على الرف ، ربما لحين تتكشف الاحداث و الوقائع .
التطرف الديني و القومي … و ثقافة الاستبداد :
التطرف الديني الذي يسعى الذي يسعى لاستغلال الدين أبشع الاستغلال لتحقيق أهدافه و غاياته و غايات من يخطط لذلك من الاجهزة الاستخباراتية الاقليمية و العالمية و خاصة النظام الملالي الايراني ، فيسعى من خلال هذا التطرف ضرب أكثر من هدف بحجر واحد ، لكن الهدف الاساسي و الاكبر هو التأثير السلبي على السلام و الاستقرار و الامن في المنطقة و العالم ، لأن التطرف الديني الذي يتبنى خطابا دمويا و آحادي الجانب يعتمد على الاستخدام المفرط للقسوة و العنف من أجل فرض رأيه و منطقه ، و لا يمكن مطلقا من فرض هكذا خطاب همجي ووحشي معادي للانسانية و الحضارة الاجتماعية و الاقتصادية في أجواء حرة و ديمقراطية ، و لهذا فأن أشاعة الفوضى و الفلتان الامني من أفضل الاجواء و أكثرها مناسبة لهذا التطرف .
لا يمكن ، و أبدا عزل و فصل الجرائم الارهابية الممنهجة و المدروسة التي تجري في سورية عن ظاهرة التطرف الديني و القومي و الطائفي التي تقف بالاساس خلفها ثقافة الاستبداد و الذبح و أنكار الآخر و الاقصاء و قمع الحريات و التنكيل و الاستهانة بانسانية الانسان . و برزت بعد الثورة السلمية التي حولتها النظام القمعي الى المسلحة طغاة و ضحايا جدد ، فظهرت على طرفي ، معادلة الاستبداد و الطغيان في سورية رموز من آمراء الحروب و قادة تشكيلات الميليشياوية و أجهزة امنية بلباس الاسلام السياسي و يمارسون جميع أنواع القتل و التنكيل الوحشية لفرض سيطرتهم على الارض بقوة النار و الدم ، هذا فيما يتعلق بالطرف الاجرامي من المعادلة ، و فيما يتعلق بطرف الضحايا من المعادلة فأن الانسان السوري الذي يرفض يتنازل عن قيمه و كرامته و مبادئه .
و يبدو ان سياسة الافناء السياسي التي اعتمدها النظام الاستبدادي وسد الآفاق أمام أي بديل ديمقراطي لم تجد أمامها الا بديلا متطرفا يرتكب الجرائم نفسها بحق الشعب و أن بأساليب محتلفة . و كما قال عبدالرحمن الكواكبي : في تشخيصه لعلل الأمة العربية و الاسلامية أن (( أصل الداء هو الاستبداد السياسي )) و ان كافة صنوف الظلم و الشقاء ما هي الا فروع و تشعبات لاستبداد الحكام . و ربما أخذت (( داعش )) كما عمل حافظ الاسد من تراث النازية عددا من الممارسات ، لكن الخطر الكامن في حصر توصيفها بأنها النازية الجديدة تحديدا يكمن في انه يشكل تغطيه على ممارسات النظام الاستبدادي ، الامر الذي يصب في مصلحة هذا النظام و يخلصه من الوصمة النازية و يشكل تغطيه مباشرة لجميع جرائم هذا النظام المجرم . لان أمراء داعش يمارسون جميع أنواع الاستبداد و لا يحق لرعايا دولتهم المزعومة حق الاختيار ، و لايحق حتى اختيار خليفتهم (( معرضين بذلك حتى عن سيرة الخلفاء الراشدين الذين صعدوا للحكم بتوافق مجتمعي )) و لااختيار نظامهم ، انها ترى انها هي ذاتها ملزمة بالشريعة التي هي أمر رباني ، لامجال للبشر في اختياره او رفضه ، و لكن (( شريعتهم ، ضيقة يزعمون انها فعل السلف الصالح ، بينما في الحقيقة اجتهاد بشر اختار من فعل السلف و الاحاديث ما يوافق فهمه ، فشكل به تيارا يضرب عرض الحائط بالشريعة الاسلامية الثرية بتنوعها و مذاهبها التي تشكلت عبر القرون باجتهاد أئمة و فقهاء و علماء الدين .
فأن الارهاب مرض لكل الاديان …. و لا تكفي محاربته بالصواريخ و الطائرات و التحالفات الاقليمية و الدولية و الامن و القضاء – و هذا كله ضروري – لكن الاهم القضاء على جذوره العميقة و التي تكمن في الفساد و الاستبداد الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي . و ان التأويل السيء للاسلام ظهر هذه الجماعات المتطرفة و كما قالوا (( من يزرع الاستبداد يحصد التطرف و الارهاب )) و الاسلام برىء و يكفر بالاستبداد و الارهاب .
Email: komitakurdi1@hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.