تونس.. هل هناك خارطة طريق في الأفق؟ أم تكريس لنظام رئاسي يكرّس حكم الفرد

هل ستأتي خارطة الطريق الموعودة من الرئيس سعّيد بشعلة من هذا الضوء، أم ستنحصر في تعديل النظام السياسي التونسي إلى نظام رئاسي يكرّس حكم الفرد في عملية جني ثمار الحراك الشعبي للمصلحة الذاتية؟

عمار جلو

تطل علينا تونس بعد عقد من إطلالتها الأولى لتنكأ جرحاً أخر من جراح العالم العربي بمغربه ومشرقه، فبعد الاستبداد السلطوي الذي تلقى أولى ضرباته في تونس الخضراء تطل علينا مرة أخرى لتختصر المشهد العربي بين مطرقة الاستبداد العلماني (أحزاب وعسكر) وسندان الاستبداد الديني وما بينهما من شراكة وتحالفات تعقدها النخب السياسية الفاسدة مع هذا الاستبداد أو ذاك.

وتبدو المفارقة في الحدث التونسي بغياب الجهة المخولة في شرعية القرارات التي اتخذها الرئيس التونسي، قيس سعّيد، نتيجة فساد هذه الطبقة واستهتارها بمنظومة الدولة وهي تدفع ثمن هذا الاستهتار بعد أن انقلب السحر على الساحر، فقد فشل البرلمان التونسي في ترشيح حصته للمحكمة الدستورية التي تتألف من اثنا عشر قاضياً للبرلمان منها أربع قضاة يتم انتخابهم بأغلبية ثلثي الأعضاء، إلا أن التجاذبات والمناكفات السياسية التي حكمت المشهد السياسي التونسي منذ إقرار الدستور ٢٠١٤ والسعي لتشكيل المحكمة عام ٢٠١٥ حالت دون تشكيلها لعدم تمكن البرلمان التونسي من ترشيح سوى قاضية واحدة (روضة الورسيغني) من أصل أربعة في حالة من المماطلة والتسويف لاقت رضا ومصلحة من الائتلاف الحاكم الذي جمع حركة نداء تونس بقيادة الراحل القايد الباجي السبسي مع حركة النهضة، وفي غياب هذه الجهة تضاربت الآراء والمواقف تجاه قرارات الرئيس سعّيد ووصفها بالانقلاب أو عملية تصحيح ضمن الشرعية الدستورية ولا يخلو الموقفين من خلفية أيدولوجية تؤيد هذا الطرف أو ذاك خارج معيار الحيادية.

لذا سيبقى الحدث التونسي رهن الزمن الذي سيطرح فيه الرئيس سعّيد خارطة الطريق للحل السياسي لإخراج تونس من حالة الجمود والاستعصاء السياسي التي كادت أن تطيح بثورة الياسمين الباقية برونقها في ظل اندثار باقي ثورات الربيع العربي، فقد حظيت قرارات الرئيس سعّيد على شعبية ودعم مشروط أو مفتوح من كتل وتيارات سياسية ومدنية وفي مقدمتها الاتحاد التونسي للشغل حيث اشترط عدم التوسع في التفسير والتأويل الدستوري وطالب بتقييد الاجراءات بزمن معين في إشارة منه إلى نص المادة ٨٠ من الدستور التي اعتمدها الرئيس منصة لشرعية قراراته، وحيث أن المادة المذكورة تقضي بمشاورة رئيسي البرلمان والحكومة وبقاء البرلمان في حالة انعقاد دائم كما أنها لا تمس الحكومة بسوء لذا بدت قرارات الرئيس أقرب للانقلاب، وإن كانت كما وصفها المحلل والخبير القانوني، الصغير  الزكراوي أنها انقلاب محمود في ظل الشلل المؤسساتي فيما حاول أخرون إسقاطها على الحالة المصرية عام ٢٠١٣، والتركية عام ٢٠١٦، وحتى الجزائرية في عشرية التسعينيات من القرن الماضي، رغم الاختلاف الكبير بين الواقع التونسي وأحداث الدول المذكورة مع العامل المشترك بينهما المتمثل في الأخوة الإخوانية وهي العامل الأبرز في حوادث المنطقة نتيجة كفر الأخوان بالديمقراطية ووسائلها، ومع تقدم حركة النهضة عن مثيلاتها الإخوانية في هذا الجانب وهو ما عبّر عنه الشيخ راشد الغنوشي في تعقيبه عن الديمقراطية وهويتها الغربية بقوله: “بضاعتنا ردت إلينا” في إشارة منه إلى الجذور الإسلامية للديمقراطية.

إلا أن تيارات الإسلام السياسي المنضوية في مضمار العمل السياسي لم تؤمن بالديمقراطية إلا في جانب الانتخابات التي ترفعها للبرلمان أو السلطة ومنها تباشر انقلابها على الأسس الديمقراطية في محاولة لصبغ الدولة وصياغتها ضمن أيدولوجيتها وهو ما عبّر عنه الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق، منظر السلفية السرورية، في مؤتمر السلفية في اسطنبول عام ٢٠١١ بالقبول بالديمقراطية بوصفها “مرحلة انتقالية (التخلص من الأنظمة الاستبدادية) نحو إقامة الدولة الإسلامية”، وهو ما ظهر في مصر منذ الأيام الأولى للرئيس الراحل محمد مرسي، وأزمة الإعلان الدستوري المكمل في نوفمبر ٢٠١٢ وهو ما تمارسه تيارات الإسلام السياسي أينما تمكنت، فهي لا ترى المجتمع إلا جماعتها ولا ترى الدولة إلا حزبها.

لذا نسف الانقلاب المصري محاولة الانقلاب على الديمقراطية بسرعة فيما تأخر هذا الانقلاب في تونس نتيجة تحالفها مع حركة نداء تونس الحاكمة بزعامة قايد السبسي، وعمق المجتمع المدني التونسي وتأصله في الحياة السياسية، رغم أنه لم يصل إلى مستوى الدولة العميقة التي تجنب دولتها الهزات العنيفة، كما هو الحال في الجمهورية التركية، يضاف إلى ذلك مهنية الجيش التونسي و عدم انخراطه في الحياة السياسية قبل قرارات الرئيس التونسي قيس سعّيد التي استجرت الجيش لميدان السياسة ووضعته في مواجهة رافضي ومنتقدي قرارات الرئيس وهو ما عبر عنه أحد ضباطه بقوله: إننا “نحمي الوطن” في رده على رئيس البرلمان راشد الغنوشي الذي طالبه بحماية الدستور وهو ما يجعلنا نتوجس خيفة من فتح شهية العسكر للدخول إلى ميدان السياسة وتحطيم أخر أمل للشعوب العربية في ثورات الربيع العربي في أول وآخر قلاعها ويُعيدنا للمربع الأول من حتمية مصير الشعوب العربية تحت أحد الاستبدادين الديني أو العلماني دون وجود ضوء في أخر النفق.

فهل ستأتي خارطة الطريق الموعودة من الرئيس سعّيد بشعلة من هذا الضوء، أم ستنحصر في تعديل النظام السياسي التونسي إلى نظام رئاسي يكرّس حكم الفرد في عملية جني ثمار الحراك الشعبي للمصلحة الذاتية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.