تونس النموذج الديموقراطي لثورات الربيع العربي -بهنان يامين

تونس كانت السباقة في ريادة ثورات الربيع العربي، وهي اليوم ايضاً تثبت بأنها السباقة في تقديم نموذجاً رائع للديموقراطية التي تتوق اليها كل الشعوب العربية، فهي منذ ان سقط بن علي وهي تخطو الخطوات المتلاحقة لبناء نموذجها الديموقراطي.
هي الدولة العربية الاولى التي أجرت انتخابات تشريعية لبرلمان مؤقت، بموجب دستور مؤقت، لتفوز بها حركة النهضة التونسية ذو الاتجاه الاسلامي، والتي اضطرت ان تتحالف مع حزبين علمانيين من أجل تشكيل حكومتين ائتلافيتين، ولقد انتج هذا البرلمان المؤقت دستوراً ديموقراطياً ونظاماً انتخابياً، اظهر وجود وعي لدى ممثلي الشعب التونسي بكل مكوناته السياسية سواء العلمانية منها او الاسلامية.
في الانتخابات التشريعية التي جرت في اواخر شهر تشرين الاول الماضي، كانت ايضاً تونس سباقة في اظهار مدى وعي الشعب التونسي بكل اتجاهاته السياسية، حيث ذهب الناخب التونسي بكثافة الى صندوق الاقتراع حيث بلغت نسبة المقترعين 60% من اصوات من هم مؤهلين للانتخابات من الشعب التونسي. نتيجة الانتخابات هذه أظهرت تفوق التيارات العلمانية على حساب التيار الاسلامي المتمثل بحركة النهضة التونسية بزعامة الغنوشي الذي تراجع حزبه الى المرتبة الثانية، ليحل مكانه حزب ” نداء تونس” الذي حصل على 86 مقعداً من اصل 217 مقعد التي يتشكل منه البرلمان التونسي الحالي.
اعتمدت النسبية لاول مرة في تونس، وبطريقة نموذجية لا يستطيع أي حزب مهما عَـلى شأنه ان يحصل على اغلبية مطلقة تجعله ينفرد بالحكم، مما يعني في هذه الحالة اضطرار الحـزب الفائـز في الانتخابات الى التحالف مع اكثر من حزب من أجل تشكيل حكومة تقود فيها تونس لمدة خمس سنوات.
هنا ايضاً لابد من تسجيل موقف حركة النهضة، التي أقرت بخسارتها للمركز الاول في البرلمان، مما يعني تقبلها نتيجة اختيار الشعب التونسي لخصومها، فلقد أعلن زعيم الحركة الغنوشي بأنه يتقبل هذه النتيجة وهو موقف ديموقراطي يسجل للحركة فهي لم تعترض على النتيجة، بل اعتبرتها بمثابة استفتاء على فشلها في تحقيق اماني الشعب التونسي، الذي رفض اجندتها، باكثرية ساحقة. صحيح انها حصلت على المركز الثاني في الانتخابات، ولكن لو جردنا عدد المقاعد التي حصلت عليها القوى العلمانية للحظنا بأن مجموع المقاعد للقوى العلمانية بيمينها ووسطها ويسارها، يفوق على القوى الاسلامية بفارق كبير.
لو اردنا ان نعمل مقارنة بين فشل القوى الاسلامية في تونس وبين القوى الاسلامية في مصر لخرجنا بنتيجة بأن القوى الاسلامية التونسية اثبتت بأنها تؤمن بالديموقراطية، على عكس القوى الاسلامية المصرية التي ارادت أسلمة المؤسسات الشرعية ضاربة بعرض الحائط رغبة القوى الديموقراطية في حكم وطني لا حكم اسلامي، خرج الاسلاميون من الحكم بقوة العسكر، ولو بدعم من ثورة الشعب الثانية، وهم بذلك اعادوا الى الحكم نظاماً عسكرياً بلبوس ديموقراطي. نجحت الحركة الاسلامية التونسية في تقبلها لحساب الشعب التونسي لسياستها في الحكومات التي شكلتها، وفشل الحركات الاسلامية المصرية بتقبل ارادة الشعب المصري، فكانت النتيجة في تونس انتقالهم الى المعارضة وفي مصر انتقالهم الى سجون العسكر.
الفائز الاكبر كانت المرأة التونسية، حيث فرض النظام الانتخابي التونسي ان تكون للمرأة التونسية 50% من مقاعد كل حزب يفوز حسب النظام النسبي المتبع، وهذا يعني خروج المجتمع التونسي من ذكوريته الى مجتمع متجانس جنسياً، ونتيجة ذلك بالطبع عدم وجود امكانية ان تظلم المرأة في القوانين التي سيسنها البرلمان التونسي الجديد.
على القوى العلمانية الفائزة في الانتخابات، ان تكمل فوزها باعادة انتخاب المنصف المرزوقي مرة ثانية، لمنصب الرئاسة التونسية، حيث يتمتع حتى الآن بدعم أكثر من ستة أحزاب لانتخابه رئيساً لتونس الدولة الديموقراطية النموذج. هذه القوى عليها ان تخرج هي ايضاً بدرس هام الا وهو ان الشعب التونسي لها بالمرصاد وسيحاسبها على تقصيرها في ادارة دفة حكم تونس، ويسقطها كما اسقط الآخرين.
أعادت نجاح التجربة الديموقراطية التونسية الامل لشعوب دول الربيع العربي، بأن النموذج الديموقراطي التعددي، والمعتمد على قيام الاحزاب السياسية، هو النموذج الامثل والبديل للانظمة الديكتاتورية، التي يجب ان تفهم بأن حكم الحزب الواحد قد ولى بلا رجعة، فالمستقبل للمنطقة هو النظام الديموقراطي، والتي شكلت تونس نموذجاً له.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.