توصياتٌ للقابعِ في السجن وقصائد أخرى

فلو حُبستَ لعشر أو خمس عشرة عام،
وحتى لو طالت المدة أكثر/ لا تقل لن تمضي السنون، بل ستمضي
يكفي ألا تُطبِقَ الظُلمَةُ على الجوهرة القابعة خلف أضلاعك

ناظم حكمت
ترجمة: عمير الأحمر

نزهةٌ مسائية

ها قد خرجتَ من السجن
وما إن خرجت
حتى باتت زوجتك حبلى
وها أنت تشبك ذراعكَ بذراعها
وتجوبُ وإياها أزقة الحي مساءً
وها هو شامخٌ بطنُ زوجتك
يسمو متبختراً بحملهِ المبارك
وأنت بجانبها مزهوٌ مهيب
وثمةَ نسماتٌ رطبة
تبدو كأيادي الأطفال
حين يعتريها بردٌ شديد
يخطر في بالك
أن تضمها بين كفيك لتدفئها
وأمام باب الجزار
تبدو قطط الحي رابضة
ومن الطابق العلوي
سيدةٌ بشعرها المجعد
تحطُّ بأثدائها على حافة النافذة
متأملةً في المساء
وسمائهِ البراقة الصافية
يتوسطها نجم الراعي*
ككأس ماءٍ لامعة
خيّمَ الصيفُ طويلاً هذا العام
بشمسهِ الحارقة
فيبست أشجارُ التوت
وظلت أشجار التين وارقة
وها هو المتأنق (رفيق)
مع ابنة (يورجي) بائع الحليب
يمضيان إلى السوق المسائي
متعانقي الاصابع
وها هو يُنار
مصباح البقال الأرمني (كارابيت)
الذي لم يسامح بعد
من قتلوا والده على جبل الأكراد
إلا أنه يحبك، لأنك أنتَ أيضاً
لم تسامح بعد
من لطّخوا جبين الشعب التركي بالسواد
وها هم المنهكون
منكبّونَ على أسرتهم
يتأملونَ الحياة
من خلف نوافذهم
وها هو ابنُ (حورية) الصباغة
عاطلٌ عن العمل
متجهاً إلى المقهى
وفوق كتفه حزنٌ جلل
وها هو مذياع السيد (رحمي)
يصدحُ بالأخبار
أن رجالاً في إحدى بلاد آسيا
وجوههم كَصُفرةِ الاقمار
تمردوا على تنينٍ أبيض
فاقتيدَ أربعة آلافٍ
من إخوتكَ في الجيش التركي
ليذبحوا إخوتهم هناك
وها هو خجلاً غضباً محمرٌ وجهك
غضبٌ تتفردُ به
حزنٌ مغلولٌ بذراعك
وها هم وكأنهم دفعوا من الخلف زوجتك
فهوت وأسقطت طفلك
وها أنت كما لو أنك مرةً أخرى في سجنك
وترى بعينيك سجانين قرويين
يوسعون ضرباً سجناء قرويين.
وفجأةً … يُطبق الليل
وتنتهي النزهة المسائية
وعربة الأمن تحوط زقاق دارك
فتهمس زوجتك:
هل يا ترى يقصدونك؟؟

الواحدة صباحاً

على مفرش الطاولة الأزرق
ها هي كتبنا واقفة
وعلى أغلفتها ترتسمُ
ابتسامة صريحةٌ شجاعة.
وها أنا قد عدتُ
من الأسر يا أمي
عدتُ من قلعة العدو
القابعة في بلادي.
الساعة الواحدة صباحاً
ولم نطفئ المصباح بعد.
وترقد بجانبي زوجتي
حاملٌ بشهرها الخامس.
يلامس جلدي جلدها
ويدي على بطنها
متحسساً حركة طفلنا الفوضوية
فكما تتدلى الورقةُ من الغصنٍ
وتسبح السمكة في البحر
يتعلق الجنين في الرحم.
صغيري…
يا من نسجت له أمه
من الصوف ملابسَ وردية
طولها بطول قبضة يدي
وأكمامها كندفة ثلج.
صغيري…
أرجو إن كان فتاةً
أن تشبه أمها
من رأسها حتى قدميها
لتحدق بي بعينين عسليتين.
ولكم أتمنى إن كان فتى
أن يشب بمثل قوامي
ويرمقني بعينين زرقاوين.
صغيري…
أتمنى إن كان فتى ألا يموت صغيراً
بعمر العشرين محارباً على الجبهات
وإن كانت فتاةً ألا تموت
ليلاً ببطن الملاجئ
صغيري…
سواءً كان فتىً أو فتاةً
وأياً كان عمره
لا أريد له أن يرمى في السجن
لوقوفه بجانب السلام والجمال والعدالة.
ولكن لا جدال يا بنيتي أو يا بني
إنك حين تكبر ستحارب سراباً
وفي هذه البلاد تحديداً
تبدو شاقة جداً هذه المهنة
أعني مهنةُ الأبوة.
الواحدة صباحاً
ولم نطفئ المصابيح بعد.
ربما بعد نصف ساعة
أو قبيل الصبح
سيقتحم رجال فرع الأمن السياسي داري
ليقتادوني ويصادروا كتبي
وحين يحيط بي الرجال
سألتفت للخلف
لأرى زوجتي
واقفةً على عتبة الباب،
وبفعل نسمات الصباح
يتطاير فستانها الفضفاض
وداخل حملها الثقيل
يعبث طفلنا المشاغب.

توصياتٌ للقابعِ في السجن

لأنك لم تفقد الأمل،
من العالم والوطن والإنسان،
فإن لم يعدموك، وزجوك داخل السجن
لعشر أو خمس عشرة سنة
أو ربما مدة أطول؛
فلا تقل: ليتني أتدلى من الحبل
كعلمٍ أو كراية،
بل قاوم هذه الحياة.
ربما لم تعد مطالباً بالابتهاج،
إنما عليك أن تعاند عدوك
حتى الرمق الأخير.
ولكَ أن تجلس وحيداً
في إحدى زوايا الزنزانة
كما لو أنك حجرٌ في قاع بئر.
بينما في الزاوية الأخرى
انخرط في صخب الحياة
وارقص على نغماتها العشوائية،
طالما ثمة عشبٌ يتمايل خارج الزنزانة.
انتظارُ الرسائلِ من داخل السجن
والشدو بالأغنيات الشعبية الشجية
والتحديق بالسقف صباح مساء
أشياءٌ حسنةٌ لكنها خطيرة.
تمعّن ملياً في وجهك بعد الحلاقة
وانسَ عمرك والزمن،
وقِ نفسك من القمل
ومن مساءات الربيع.
ولا تنسَ يوماً أن تكمل خبزك
حتى اللقمة الأخيرة،
وأشبع شفتيك دوماً بالابتسامةِ
فمن يدري ربما المرأة التي أحببتها
لم تعد تحبك،
لا تقل هذه مشكلةٌ بسيطة،
فهي للرجال داخل السجن
تبدو كأن غصناً أخضراً غضاً قد كُسِر.
التفكير بالحدائق الغناء
أمرٌ سيءٌ داخل السجن،
أما التفكير بالبحار والجبال
فأمرٌ طيبٌ حسن.
وعليك بالقراءة والكتابة
بشراهةٍ دون توقف،
وكذا أوصيك بفن النسيج
وصنع المرايا
فلو حُبستَ
لعشر أو خمس عشرة عام،
وحتى لو طالت المدة أكثر
لا تقل لن تمضي السنون،
بل ستمضي
يكفي ألا تُطبِقَ الظُلمَةُ
على الجوهرة القابعة خلف أضلاعك

غلاف الكتاب(فيسبوك)
مصدر كتاب قصائد ما بعد السجن، ترجمة: عمير الأحمر
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.