تنوع المال السياسي والعقليات الطائفية في مرمى الصراع السوري

شهدت الساحة السورية منذ بداية تغير مسار الثورة الشعبية، وتشكيل فصائل إسلامية طامحة للتغيير، تنوّع في العقليات الطائفية، فإلى أي مدى سيقف المد الطائفي عائقاً أمام النهوض السوري؟

الأيام السورية؛ هديل الشامي

الثورة أمام الدعم المالي المشروط، وتأثيراته:

حين دخل الدعم المالي المشروط، وتم توظيفه في خدمة أجندات خارجية، وجد انحراف في المسار الصحيح، أو في أقل التقديرات عرقلة بحسب السياسة المحركة للطرف المدعوم.

لطالما كان الحراك الشعبي السوري ومنذ أول صرخة في ساحات الحرية في ربيع العام 2011 يشكل قلقاً للكثير من الأطراف والقوى الإقليمية في المنطقة، وهذا ما أطال حقيقةً أمد النزاع.

عنصر المال والدعم الخارجي كان سبباً في تشكيل فصائل متحركة، تميل حيث تميل كفة المانح؛ مما أدى لخروقات كبيرة وتجييش سوري-سوري في صفوف المعارضة، وكذلك الغوص في اقتتال داخلي هامشي، كان يمكن للمعارضة السورية أن تتجنبه؛ لولا امتداد أيدي الجهات الإقليمية الطامحة بالتوسع كإيران، من خلال تواجد ميليشيات الحرس الثوري وحزب الله على الأراضي السورية، والجهات الإقليمية المتخفية وراءها كل مصلحة تساهم في الحفاظ على أمن الكيان الإسرائيلي. ولا يخفى دور النظام السوري في توطيد أركان التطرف والإرهاب من خلال المساهمة في خلق مجموعات إرهابية أو حتى تسهيل وصول الدعم العسكري والمادي لها.

لا يمكن التصديق أنّ النظام كان يتجاهل طرق دخول الأموال من الدول المانحة إلى المناطق المحاصرة، وهذا بحد ذاته مفتاح لفهم طبيعة الأحداث على المسرح السوري المعارض اليوم.

الانحراف في مسار الثورة، بدأ بشكلٍ تدريجي، وكان المال السياسي عاملاً هاماً في توظيف “الحرب” داخل سورية لصالح إرادة المانح، وتسير وفق أجندته، وحاجته لممارسة ضغوطات على أطراف إقليمية أو دولية.

نماذج متناقضة، لخدمة من تعمل؟

إذا ابتعدنا عن المسمى المشترك –الإسلام، والإسلامية-بين الفصائل الأقوى تقريباً على الساحة السورية، وتتبعنا مسارهم ومآلاتهم، فإننا أمام “خدمة مجانية للنظام السوري في نهاية المطاف”.

حيث كان جيش الإسلام اللاعب الرئيسي والأقوى في منطقة الغوطة الشرقية على مدار السنوات الماضية يستمد المال والدعم ويتحرك برغبة من المانح الأهم ـ السعودية ـ التي أرادت ضرب الإتجاه السلفي المتمثل بجبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام مما يجعل الجيش المؤلف مما يقارب “العشرة آلاف” مقاتل بالعتاد الكامل يتجه بإديولوجيات معينة مستمدة من فكر وإرادة المانح ويقف حيث تتعارض مصالحه. ونجد صدام بين “السلفية الوهابية والسلفية الجهادية”.

أما مايسمى بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” فالتمويل الذاتي هو اللاعب الرئيسي في تحركاته وذلك لسيطرته على منابع النفط والغاز في المنطقة الشرقية مما جعل إرادة التوحش والتوغل والتكفير في ازدياد لا ينتهي، حيث يعتبر تنظيم الدولة من الجماعات المسلحة الأكثر تحصناً في الجانب المادي لذلك يدفع رواتب مقاتليه ومريديه من خلال ثروته الخاصة.

صحيفة الفايننشال تايمز كانت نشرت تحقيقاً استقصائياً نهاية كانون الأول 2015 على صفحتها الأولى عن مصادر تمويل تنظيم الدولة، وذكرت أن مؤسسة راند البحثية في الولايات المتحدة الأمريكية قدرت أن التنظيم قد جنى نحو 875 مليون دولار قبل سيطرته على الموصل في يونيو/حزيران.

ويوضح التحقيق أن التنظيم عندما يسيطر على منطقة ما يقوم بمصادرة الموارد وسرقة البنوك والقواعد العسكرية وبيوت المسؤولين الحكوميين فيها. وقد أنشأ في كل ولاية في المناطق التي يسيطر عليها دائرة لـ “غنائم الحرب” تقوم بإحصاء ما غنمه وصادره من أصول وأموال ومعادلتها بالدولار ومن ثم منح نسبة خمسها إلى مسلحي التنظيم.

إيران التي لا تتوقف عن مد -حزب الله – اللبناني الشيعي بالمال والعتاد لتحريك الصراع في سورية في سبيل تحقيق حلم المشروع “الفارسي” الذي ارتدى اللباس الطائفي، ولعل المطلع على المشهد السوري يرى بأن دمشق ربما ستصبح قريباً “إيران صغيرة” أو جديدة إن جاز التعبير.

النماذج السابقة “جيش الإسلام، داعش، حزب الله” وغيرهم؛ جزء من مشاريع متعددة، يطول البحث فيها والحديث عنها، وحولها، لكنها في النهاية أسهمت في تأزيم الحل في سورية.

ماذا ينتظر سورية مستقبلاً؟

السؤال الأهم هل ستنتظر سورية مصيرها وانتهاء أزمتها إلى حين انهيار حركات -التطرف-التي بدأت تتوطد أركانها في البلاد؟

هل سينتظر الشعب السوري نهاية قريبة أم طويلة المدى لداعش والجيوش الإسلاموية المتحركة بإديولوجيات المانح، وكذلك الإرهاب إلى الأبد، وإلى أي مدى ستبقى سرقة الأموال الخليجية والشعوبية عموماً قائمة لتحقيق مصالح “طائفية” دينية لا تسمن ولا تغني من جوع؟!

التشرذم لدى هذه الحركات نقطة ضعف يمكن أن تستغل شعبياً، لإنهاء مرحلة كارثية، تستقيم بعدها في حال انتهى دور المال السياسي، والتوحش الطائفي، والفهم الحقيقي للإسلام، يومها يمكن أن تكون الشعوب هي العامل الحاسم في التغيير، ولعل الشعب الإيراني لديه ألم مشترك مع الألم السوري، فهل نشهد انعطافاً في دوره مستقبلاً، مجرد رهان نراهن عليه كسوريين.

مصدر BBC Arabic الجزيرة رويترز
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.