تعلّم كيف تحيا تجاربك وكيف تستفيد منها بأقصى حد

هل وقفت لثانية في يوم ما من حياتك ونظرت إلى نفسك وأدركت حقيقة التطوّر الإنسانيّ الهائل الذي وصلت إليه؟ وهل نظرت إلى جوهر هذا التغيير؟ هل تفحّصت أدقّ تفاصيل سلوكيّاتك وأفكارك ومشاعرك؟

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

هذا ما تراه، فما الذي عليك فعله؟ البشر يبحثون عن الاستقرار، المكان الواحد، السماء الواحدة، البيت الواحد، الرجل الواحد، الأم والأب والعائلة الواحدة، البلد الواحد. يسعون لبقائهم في الحالة ذاتها، التغيير عادة يأتي بعد الملل؛ لذا يبحثون عن التغيير بشكل آخر، ولكن دون أن يكسروا استقرارهم حيث لن يغيّروا كلّ ما حولهم دفعة واحدة.

إن كنت سوريّاً

ستراهم يغيرون عملهم، يتزوّجون، ينجبون طفلاً، يغيّرون مدينتهم لفترة قصيرة، يدخلون في مغامرات جديدة ولكنّها محسوبة جدّاً. هذا ما سيفعله البشريّ إن أراد أن يغير شيئاً في حياته. لكنّه ليس بالغالب على الإطلاق أنّ يغير كلّ شيء دفعة واحدة بشكل اختياري وخاصّة إن كان تغييراً جذريّاً وغير واضح وغير مدروس. وهنا يكمن أقوى تأثير لكروية الأرض.

لا مكان ثابت تحت قدميك. طبعاً وحتماً، أنت العربيّ وخاصّة إن كنت سوريّاً فسأخبرك أن الأرض حتّماً تحت قدميك ليست ثابتة. هذا إن كان هناك أرضاً من الأساس. الأرض ليست كرويّة فقط عند السوريّين، الأرض مخلخلة وتكاد تكون صخوراً مدبّبة وغير مستوية ومتناثرة هنا وهناك، متباعدة بعدّة أمتار مشكّلة مع مجموعة من الهاويات شكل الأرض لديهم.

الأرض كرويّة حقّاً، وهذا أمر جيّد في معظم الأحوال، لكنّنا في هذا الصدد نحن في مكان مختلف. الأرض كرويّة لذا أنت لن تبقى في مكان واحد أبداً.

ما الذي ستفعله؟

لا مكان واحد لديك، لا أرض طبعاً، لا سماء، لا بيت، لا حبّ، لا لون واحد. هل تدرك معنى ذلك؟؟ بعيداً عن الجنون الذي سيدفعه إليك هذا الوضع الجنونيّ أصلاً. أنت في نعمة لا يدركها الكثيرون. وإن أجبت بأنّك لا تريد هذه النعمة مقابل الوضع السابق الذي ورد فسأقول لك: عليك أن تنظر إلى الأمر بشكل مختلف بعض الشيء.

في ذروة تطوّرك كإنسان

أنت الآن – وفي هذا الوضع بالتحديد – في ذروة تطوّرك كإنسان، تطوّر شخصيّتك القصوى، تجاربك الهائلة المذهلة، تعرّفك المستمرّ على المزيد والمزيد من البشر والحجر والثقافات، تواصلك المستمرّ بلغات لا تفهمها غالباً ولكنّك تدركها، فكّ ارتباطك فمئات الأشياء الزائدة عن الحاجة، إدراكك الحقيقيّ لمعنى كروية الأرض والذي لا بد أن تدركه يوماً ما آجلاً أو عاجلاً، فهمك لشخصيّات البشر الذين تصادفهم يوماً بعد يوم، اتّساع ثقافتك بطريقة مرعبة لشدّة سرعة هذا الاتساع.

وهذا تماماً سيترك أثره الواضح والجليّ على مشاعرك ومعانيها ومفاهيمك التي كنت تملكها أو التي ما زلت تملكها، معان مختلفة تغيّرت أو استبدلت أو تطوّرت أو أصبحت أكثر وضوحاً، لا شيء مستثنى من التغيير لديك الآن، معنى الحبّ والسعادة والأمان والاستقرار وتحقيق الذات والصداقة والمستقبل والجنس والروح والجسد والعجز والغضب والعدم والوجود والوطن والثورة والحرب والموت والقتل والدين والخوف والقلق والرعب والزواج والأطفال والفنّ والموسيقى والأدب والسينما، ومعنى الحياة أولاً وأخيراً وغيرها الكثير، إذ لا يمكنك التوقّف عن التعداد هنا بأيّ حال من الأحوال.

أنت مخطئ تماماً

هل وقفت لثانية في يوم ما من حياتك الآن ونظرت إلى نفسك وأدركت حقيقة التطوّر الإنسانيّ الهائل الذي وصلت إليه؟

فقط عليك أن تتعلّم كيف تحيا تجاربك كما هي وكيف تستفيد منها بأقصى حد، فقط عليك أن تدرك معنى التجربة كي تستطيع إدراك: إلى أيّ مدى وصلت من التطوّر على الأصعدة كافّة، بلا استثناء.

هل نظرت إلى جوهر هذا التغيير الذي لم يتوقّف بعد، هل تفحّصت أدقّ تفاصيل سلوكيّاتك وأفكارك ومشاعرك؟

هل فكرت يوماً لأيّ درجة قد وصلت بقدراتك العقليّة والذهنيّة والعاطفيّة والنفسيّة التي وصلت إليها؟

إن كنت تعتقد بأنّ ما وصلت إليه من هذا كلّه، كنت ستصل إليه دون عدم الاستقرار الذي تعيشه، فأنت مخطئ تماماً.

روح التجربة

الأمر بسيط شيئاً ما، ولكنّه معقّد طبعاً بشكل آخر. في هذا الوضع الذي تحياه أنت تحيا مئات التجارب المختلفة والمعقّدة والمتداخلة. في كلّ تجربة يحياها الإنسان يكتسب تطوّراً مهمّاً على صعيده الشخصيّ والنفسيّ والاجتماعيّ والعاطفي وغيرها. إدراك التجارب كتجارب مهمّة أيّاً كانت نتيجتها من فشل أو نجاح، من سعادة أو تعاسة، من خوف أو أمان، من رعب أو صفاء، من سلام أو ضياع، إدراك التجارب على أنّها تجارب مهمّة في حياة الإنسان كتجربة بحدّ ذاتها، كتجربة كاملة في تفاصيلها من ردود أفعال الإنسان تجاهها أو ردود أفعال الآخر تجاهه أو ردود فعل المكان والزمان هو روح التجربة التي تعطيك هذا الدفق الرائع من التطوّر.

روح التجربة تلك أو لنقل جوهرها التي إن رآها الإنسان بوضوح وفهم هي الأهمّ على الإطلاق من النتيجة التي قد يصل، أو لا يصل إليها من تلك التجربة. لا يهمّ على الإطلاق النجاح أو الفشل في التجربة، ولكنّ المهمّ هو ما الذي اكتسبه المجرّب منها.

هل فكرت يوماً لأيّ درجة قد وصلت بقدراتك العقليّة والذهنيّة والعاطفيّة والنفسيّة التي وصلت إليها؟ إن كنت تعتقد بأنّ ما وصلت إليه من هذا كلّه، كنت ستصل إليه دون عدم الاستقرار الذي تعيشه، فأنت مخطئ تماماً.

نظرة قريبة نوعاً ما من تفاصيل تلك التجربة كفيل برؤية الفائدة المهمّة منها، الفائدة المهمّة لما بعد تلك التجربة في حدّ ذاتها. ليس هناك تجربة ناجحة أو تجربة فاشلة، ليس هناك علاقة سعيدة أو علاقة تعيسة، ولكن هناك دائماً تجربة أو علاقة مهمّة. دائماً وأبداً أنت تحيا تفاصيل ذاخرة في كلّ تجربة تعيشها، فقط عليك أن تتعلّم كيف تحيا تجاربك كما هي وكيف تستفيد منها بأقصى حد، فقط عليك أن تدرك معنى التجربة كي تستطيع إدراك: إلى أيّ مدى وصلت من التطوّر على الأصعدة كافّة، بلا استثناء.

لذا، لن تتوقّف عن التجربة أبداً إن أدركت أهمّيّتها، لن تتوقّف عن رغبتك بالمزيد منها إن لمست جوهرها حتّى وإن خطوت على أرض ليست كرويّة على الإطلاق.

وحينها ستحصل على الاستقرار الحقيقيّ الذي تبحث عنه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.