تعلّموا من أغوتا.. أدب الحرب الهزيل، مشاعر مهترئة ونوستالجيا مملة بغطاء نقدي

دعوة مفتوحة للكتّاب أن يتعلّموا من تجارب الآخرين ويتخلّوا عن سباقات الشهرة والموضة؛ عندما يرتفع الأدب بخلق نوع وطريقة جديدة، فهي مهمة الأديب الحقيقية، الاكتشاف الجديد وليس كتابة الروتين الأدبي الممل.

الأيام السورية؛ خالد علوش

في أحد المرات قرأت على موقع الأيام السورية، أحد الصحفيين يناقش رواية لشاب سوري يدعى رواد العوام، صدرت مؤخراً بعنوان “البث التجريبي لجهنم”، وفيه يستعرض الصحفي تحليلاً أصابني بالدهشة، وجعل سؤالاً يقفز إلى دماغي مباشرة: هل فعلاً نمتلك عباقرة أدباء بذلك العمق، وإن كنا نمتلك فعلياً فلماذا نحن من أردى البلدان أدبياً وثقافياً؟.

بعد فترة استطعت الحصول على الرواية المذكورة بطريقة ما، والمختصر – لأنها أصلاً لا تستحق الوقوف النقدي عليها، لشدة الأخطاء القاتلة درامياً وثقافياً بالإضافة للملل الشديد في الأحداث – استطعت فهم ما معنى أن تُناقش الأشياء لمجرد نزعتنا العاطفية اتجاه الأشخاص وليس لأننا نمتلك رؤية نقدية جادة وحيادية في الأدب أو في الثقافة عموماً.

حالة رواد العوّام وروايته تُطبّق على جميع الروايات التي ناقشت الحرب السورية أو التي حاولت استعادة التاريخ وإسقاطاته على واقع الثورة خلال عشرة أعوام، بالإضافة لجميع الكتابات التي طرحت الثورة أو الحرب أو الصراع من أي وجهة نظر، وهي فعلياً أعمال بالعشرات وليست فقط لأسماء أشخاص يحاولون الظهور أو غير معروفين ما زالوا في البداية، بل حتى أدباء مشاهير من أمثال خالد خليفة وفواز حداد أو شهلا العجيلي أو روزا ياسين الحسن أو خليل صويلح أو سمر يزبك أو مها حسن أو ديمة ونوس.. الخ.

بغض النظر عن المستويات بين كل أديب وآخر وطريقة الطرح، لكن جميعهم يمتازون بنفس المعضلة الثقافية – مشاهير ومغمورين – وهي الأسلوب الرديء الذي يقوم على التسوّل العاطفي للنص وقيامه على عناصر الميلودراما المتأرجحة بين صناعة مأساة وإذلال أي شخصية لتحميل هاجس التراجيديا لجهة معينة أو الأحداث أو الرؤى والحوارات للشخوص، للتأثير في الرأي العام أو الرأي الخاص؛ إنها حالة من الابتذال الأدبي والمعرفي التي لا تقدّم ولا تؤخّر على مستوى الرواية السورية لإخراجها فعلياً من مخاض الموضة التي أصبحت شائعة، فكل من هبّ ودبّ يريد أن يظهر أدبياً فليس هناك أسهل من الكتابة عن الحرب، وكأنّ الثورة والحرب أتت منقذ للتفاهة المعرفية الموجودة في الشارع الثقافي السوري، وعند كثير من الأدباء (دون شمل الجميع طبعاً، إنما نتحدث عن حالات كثيرة وقائمة).

الروائية أغوتا كريستوف(موقع أخبار لبنان)

منذ فترة وقع بين يدّي عمل للهنغارية أغوتا كريستوف بعنوان “الدفتر الكبير”، وعندما أنهيته وجدت نفسي أقفز صارخاً: “يا للروعة، يا لهشاشة وعمق ظلّ الحرب القاتلة والمؤلمة بخفّة الهواء على الوعي والنفس، فلينهض أدباء الشرق الأوسط ويتعلّموا من كريستوف معنى أن تؤلمك الحرب دون أن تخنقك وأنت تقرأ، دون أن تطعنك بحقد”.

الأدب العربي بأسره عندما يكتب الحرب فهو ثقيل جداً، سمج، بليد، تافه بمحاولات تفلسف عميق.. (وأعيد بأنني لا أشمل الجميع من الأدباء).

غلاف رواية الدفتر الكبير(فيسبوك)

رواية كريستوف جعلتني أفهم أدبياً معنى الخفّة الإنسانية وفكاهة الحرب وبياضها لأرى صورة الدم وهو ينتشر على صفحات الرواية بسلاسة، ما قامت به أغوتا هو أنها خلقت بياضاً للحرب كي نرى ونفهم معنى الدم بالتباين الذهني للون، بينما الرواية السورية للحرب هي قاتمة وداكنة في سردها وشخوصها وحواراتها إلى درجة لا يستطع الشخص رؤية الدم بل ما يشعره عبارة عن ظلام يتيه فيه القارئ دون وصول إلى تفاصيل تعلق في الذاكرة للأبد، باختصار رواية الحرب السورية تقدّم لنا الحكمة النهائية بأنّ الحرب سيئة، وكأننا تلاميذ في إحدى مدارس البعث للنظام السوري.

الأدباء السوريون، لسنا بحاجة للحكم النهائية، وكأنكم كهنة خارجون من معابد الشرق المقدّس، ما نحتاجه تفاصيل فكاهية تؤلمنا، وخفّة إنسانية تصعقنا بهدوء كي نتعلّم بجد أن ما يلزمنا ليس أن ندرك سوء الحرب في دمار الأوطان والإنسان، بل أن نشعر تشوّه الذات الذي تركته الحروب في الكائن البشري؛ الجنون الصافي والنقي الذي وصل إليه الإنسان وليس رثائيات وميلودراميات البكاء المشبعة في رواية الحرب السورية.

إنها دعوة مفتوحة للكتّاب أن يتعلّموا من تجارب الآخرين ويتخلّوا عن سباقات الشهرة والموضة؛ عندما يرتفع الأدب بخلق نوع وطريقة جديدة، فهي مهمة الأديب الحقيقية، الاكتشاف الجديد وليس كتابة الروتين الأدبي الممل.

كل ما كُتب عن الحرب السورية لا ينقذ الأدب السوري مستقبلاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.