تعزيز الوجود الروسي في سوريا وأفق الحل السياسي

1٬775

إن ما يرد في المقال يمثل رأي الكاتب

محمد مستو

لم يكن التدخل الروسي المباشر في سوريا مؤخراً ليحدث لولا تشكل قناعة لدى القيادة الروسية من أن النظام السوري تهالك لدرجة أنه لم يعد بمقدوره أن يدافع عن نفسه، وأن الأوضاع في سوريا أصبحت عرضة للمفاجآت أكثر من أي وقت مضى، لذلك قامت بالحملة الأخيرة لإنقاذ مصالحها وقواعدها العسكرية وأرسلت عدداً وعتاد إلى منطقة الساحل السورية، ومن المرجح أنها ستواصل ذلك في الأسابيع والأشهر القادمة.

المعلوم أن النظام لم يكن ليصمد خلال السنوات الماضية لولا الدعم الإيراني والروسي، إلا أن التأثير الأساسي في قرارات النظام السوري وأفعاله كان للإيرانيين، بينما تجاهل النظام السوري كثير من النصائح الروسية ورفض الإصغاء إلى طلبات قدمتها في قضايا معينة كانت روسيا قد تعهدت أو وعدت بجعل النظام يوافق عليها خلال لقاءاتها مع الأطراف الدولية.

ومع ذلك واصل الروس تزويد النظام بالسلاح ودعمها سياسياً، وذلك حرصاً على مصالحها في سوريا ولعلمها أن المعارضة إن تمكنت من إسقاط النظام لن تسمح بأي وجود روسي بعد موقفها السلبي من الثورة السورية.

ولعل تكثيف الوجود الروسي في الساحل سيطمئن العلويين الذين يشكلون حجر زاوية للمؤسسة الأمنية والعسكرية من انتقام قد بلحق بهم في حال تهاوى النظام، وقد يجعلهم أقل تمسكاً به وخاصة مع الخسائر الكبيرة في الأرواح التي لحقت بهم خلال السنوات الاربعة الماضية حيث تشير التقديرات أن الطائفة خسرت نحو ٥٠ ألف مقاتل في صفوف الجيش خلال عملياته العسكرية ضد المعارضة.

ولذلك ففي حال واصلت روسيا تعزيز وجودها في سوريا فسيكون لها الكلمة العليا في المفاوضات وستتمكن من فرض قرارها على النظام وسيتراجع بذلك الدور الإيراني.

التصريحات الروسية والمواقف الغربية وموقف المعارضة

بررت روسيا تدخلها المباشر في سوريا بأنها تقوم بذلك لتعزيز قوة الجيش السوري وأنها ستعمل في سوريا لمكافحة ما وصفته بالإرهاب،

أما الولايات المتحدة والغرب فقد اكتفى بالانتقاد الخجول للتحرك الروسي، وهذا مؤشر على أن تلك الدول غير منزعجة من الأمر لاعتقادها بفائدة الوجود الروسي للتوصل لحل في سوريا.

فبالنسبة للغرب فإن تعزيز الوجود الروسي يعني أن تكون هناك جهة تملك تأثيراً في سوريا يمكن التفاوض معها على خلاف إيران التي ربطت وجودها بوجود النظام السوري ورأسه بشار الأسد وأصبحت طرفاً في الصراع وفقدت أي قدرة على أن تنزاح عن صف النظام ولو قليلاً، كما أن الاعتراض الكبير من أعضاء الكونغرس الأمريكي على الاتفاق النووي الإيراني جعل الإدارة الأمريكية كارهة لأن تمنح إيران شرعية دولية أكثر من خلال إظهارها كمفتاح للحل في سوريا وإعطائها مكاسب مقابل التوصل للحل.

تسبب تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالأمس والذي أكد فيه بأن أحد أهداف الوجود الروسي هو حماية بشار ، بردود فعل بين الأوساط المعارضة للنظام الذين بدأوا بالتهديد والوعيد ومؤيدي النظام الذين هللوا له ، إلا أن النظر إلى مواقف الدول والتصرفات التي يمكن أن تسلكها من خلال التصريحات هي أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه أي سياسي.

فأمريكا وعشرات الدول الأخرى صرحت مراراً وتكراراً بأن على الأسد الرحيل، لكنها لم تفعل شيء لتحقيق ذلك بل كانت حريصة جداً في الآونة الأخيرة هي وحتى أكثر الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة لعدم منح المعارضة إمكانيات تؤهلها للانقضاض على النظام مع ترنح الأخير في الأشهر الأخيرة.

إذا فالتصريحات مهما بلغت حدتها لا تعتبر مؤشر على فعل مقبل، بل تكون في الغالب بالونات اختبار أو محاولة لرفع سقف المطالب للمفاوضات المقبلة.

إذا على المعارضة السورية السياسية وخاصة الائتلاف أن يستقصي نوايا روسيا قبل أخذ أي موقف حاد تجاهه، دون أن يمنع ذلك من إعلان معارضته له باعتباره تدخل أجنبي في بلادهم وهذا حق لا يلومهم أحد عليه في حال صرحوا به، لكن إعلان العداء لروسيا والقيام بحملة سياسية كبيرة في العالم ضدها وإطلاق تصريحات وخطابات معادية لها قد يؤثر في الموقف الروسي ويجرها إلى التعنت وخاصة أن النظام الروسي ليس ديمقراطياً ولا يدار بالمؤسسات بل تدار بعقلية ومزاجية القائد، إلى جانب ذلك فإن ما يعزز ضرورة وجوب حذر المعارضة السورية هو موقف الدول التي تدعي دعم المعارضة، والذي كان وما زال متخاذلاً.

 

سوريا فيدرالية ومناطق نفوذ

 

إذا ماهي السيناريوهات للحل في سوريا.

شهدت سوريا مؤخراً وضوحاً أكثر في بنية المعارضة السورية، حيث بدأت تظهر تشكيلات كبرى واضمحلت كثير من التشكيلات الصغيرة في مختلف أنحاء البلاد ففي الشمال أصبحت حركة أحرار الشام أكبر قوة منظمة، وباتت بوضع مهيئ لاستقطاب بقية الفصائل الإسلامية في المنطقة ماعدا جبهة النصرة

وفي الوسط وريف حماه يبرز الجيش الحر كقوة معتبرة حيث اندمجت فيه العديد من الفصائل مؤخراً وهي تحصل بشكل مستمر من غرف دعم المعارضة السورية في الخارج، وفي دمشق يشكل جيش الإسلام قوى ضاربة والحديث يدور حالياً عن توحد بقية الفصائل في الغوطة الشرقية تحت لوائها، وفي الجنوب توجد الجبهة الجنوبية. أي أن بات هناك جهات في المعارضة المسلحة تملك التأثير ويمكن مخاطبتها والتوصل معها إلى صيغة للحل.

أما الشكل المبدئي للحل في سوريا فإنه من الأرجح أن يكون على شكل فيدرالية رخوة تضم عدة مناطق وهي:

منطقة الأقليات في الساحل وجزء من حمص بحماية روسية ستكون بالإضافة للعلويين ملاذاً لأعداد كبيرة من الأقليات من مناطق سوريا مختلفة إليها.

منطقة المعارضة السورية وستضم بقية المناطق بما فيها دمشق حيث ستتفق الفصائل المعارضة المسلحة على تشكيل جسم واحد قد يكون للائتلاف المعارض دور فيه إلا أنه لن يكون بكل تأكيد دوراً كبيرا.

منطقة النفوذ الإيراني من القلمون مروراً بمناطق غرب دمشق حتى شمال القنيطرة وعلى الأغلب ستكون منطقة نفوذ مؤقتة ستضمحل خلال فترة قصيرة ولن تتركها المعارضة لإيران.

منطقة الأكراد من الحسكة حتى تل ابيض وربما حتى عفرين وذلك حسب نجاعة السياسة الخارجية فيما ستتمكن من منع وصول الوحدات الكردية إلى عفرين أم لا.

السويداء ذات الغالبية الدرزية سيتم منحها وضع خاص ربما شكل من اشكال الحكم الذاتي.

وبذلك سيتشكل مجلس حكم انتقالي يضم مندوبين عن كل منطقة وسيكون على عاتقها رسم ملامح الفيدرالية الجديدة وتفاصيل تقاسم السلطة وتركيبة الجيش الجديدة.

 

يبقى حينها بشار الأسد والقادة العسكريين الأساسيين في الجيش وتنظيم الدولة الخاسرين الوحيدين، حيث أن أي حل سياسي لن يتم إلا برحيل الأسد وأن أي حل سياسي كذلك سيعني بالضرورة تضافر الجهود لقتال تنظيم داعش

 

طبعاً أن التوصل لحل من هذا القبيل سيتم في حال كان دخول روسيا ضمن رغبة تحملها في حل بسوريا، أما إن كان طموحها هي الهيمنة على سوريا كلها، وتحويل وبشار الأسد وأركان نظامه إلى اتباع لها في البلاد تحركهم ضمن هذا المخطط فلتبشر حينها بأفغانستان جديدة.

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.