تصفية حسابات الوحدة والانفصال وتكريس بنى الاستبداد.. أكثر من نصف قرن على حزيران

مُنعت القوات السورية من خوض المعركة، لرغبة حافظ الأسد في الصعود على سلم السلطة بوجود تفاهمات دولية داعمة لصعوده، كما فضّل خصومه البعثيين الحفاظ على سيطرتهم على الحكم بدل خوض حرب طويلة ممكنة خاصة مع وعورة تضاريس الجولان.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

قبيل الحرب كانت إسرائيل تحشد قرب جبهة الجولان مما دفع القيادة السورية إلى الحديث دوماً عن التهديدات الإسرائيلية كنوع من التسويق لنفسها كقائدة للمانعة في وجه عبد الناصر، بلّغت المخابرات السوفييتية عبد الناصر بوجود تهديد جدي تتعرض له سوريا من قبل إسرائيل، فجاءت ردة عبد الناصر مغرقة بالغرور والانفصال عن الواقع، أمر عبد الناصر بحشد قوات الاحتياط ضعيفة التدريب خاصة أنه أنهك جيشه في حرب العصابات في اليمن.

مصر وسوريا.. تصفية حسابات الوحدة والانفصال

بدأت مصر بجهد إعلامي عبر راديو صوت العرب وإذاعة القاهرة، وكان الجهد يتجه نحو الترويج للمعركة في محيط مصر العربي، وكانت ردة الفعل العربية بالطبع تماهياً مع عبد الناصر الذي بدا لأسباب غير مفهومة واثقاً من قدرة جيشه على خوض المعركة، بل وحتى اتخاذ زمام المبادرة، فقام بحشد حوالي 45 ألف مقاتل على جبهة سيناء، وبدأت الصحافة العربية تتحدث عن هزيمة ستلحق بإسرائيل، وامتلأت الجرائد العربية بكاريكاتورات تحاكي الوجدان العربي الغارق في الأوهام عن رمي اليهود في البحر وعن جبنهم وانهيارهم أمام العرب.

بلّغت المخابرات السوفييتية عبد الناصر بوجود تهديد جدي تتعرض له سوريا من قبل إسرائيل، فجاءت ردة عبد الناصر مغرقة بالغرور والانفصال عن الواقع، حيث أمر بحشد قوات الاحتياط ضعيفة التدريب خاصة أنه أنهك جيشه في حرب اليمن.

واكتمل المشهد حين ارتكب عبد الناصر حماقة دبلوماسية قاتلة حين طلب من قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة الانسحاب من سيناء لأنه لا يضمن حمايتها في حال نشوب حرب، وقام بإغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، ونسي ناصر أن جزءً من نجاحه في إنهاء العدوان الثلاثي لدى تأميمه قناة السويس ارتبط بتدخل أممي انتهى بإرسال قوات الطوارئ إلى سيناء وفتح مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية.

رد الفعل الإسرائيلي

التقطت صقور الإدارة الإسرائيلية كل هذه الخطوات التي اتخذها ناصر، وكل هذه الجعجعة الإعلامية، وسوّقتها أحسن تسويق، ورغم إدراك مسؤولي الجيش الإسرائيلي أن الميزان العسكري لصالحهم (على عكس قراءة عبد الناصر الخاطئة لميزان القوى) قاموا ببث الرعب في المجتمع الإسرائيلي.

عاش الإسرائيليون كمجتمع رعب وقوع محرقة جديدة بحقهم، وكان التلفزيون الإسرائيلي يعرض كل ما يقوم به عبد الناصر من استعراضات عسكرية، فبدأ المجتمع الإسرائيلي يظن أن لا خيار له سوى الحرب وإلا سيُباد، وأسفر ذلك عن صعود موشي ديان وفريقه. وفي الغرب نشرت إسرائيل كل الكاريكاتيرات التي تحقر اليهود والتي تهدد بإفنائهم مما داعب عقدة الذنب الأوربية تجاه الهولوكوست التي لم تزل حتى اليوم حية فما بالك بعام 1967.

شهدت مدن أوربية تظاهرات حرّضت عليها إسرائيل وشارك فيها طيف سياسي أوربي واسع، ورُفِعت بعض اللافتات التي تظهر صورة عبد الناصر إلى جانب شعار النازية، وبدأ متطوعون يهود بالذهاب من أوربا إلى إسرائيل مع تغطية إعلامية، كل هذا وعبد الناصر واثق من انتصاره.

جمال عبد الناصر(إضاءات)

قيادة حزب البعث والجبهة السورية

أما على الجبهة السورية فكان البعث منصرفاً إلى صراعاته الداخلية وقمع الشعب، ولنتذكر أن أول مجازر حماه ارتكبت عام 1966، بقية القصة معروفة وبشكل خاص إعلان وزير الدفاع حافظ الأسد سقوط القنيطرة قبل سقوطها الفعلي مما قاد إلى انهيار معنويات الجيش، ومُنعت القوات السورية من خوض المعركة، وكان السبب الرئيسي هو رغبة حافظ الأسد في الصعود على سلم السلطة وهناك الكثير من الوثائق التي تشي بوجود تفاهمات دولية داعمة لصعوده إلى السلطة في سوريا، وإلى جانب مسؤولية حافظ الأسد فضّل خصومه البعثيين (صلاح جديد ورفاقه المقربون) الحفاظ على سيطرتهم على الحكم بدل خوض حرب طويلة ممكنة خاصة مع وعورة تضاريس الجولان، لكنهم كما ذكرت كانوا يعتبرون أن الأهم هو الجماعة البعثية (كما هو الحال في الجماعة الإخوانية)، على الجانب المصري قام عبد الناصر بحركة مسرحية بتقديم استقالته، تماهت معها الجماهير التي لم تفقد أملها بالنبي المخلص ناصر، فقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية كانت ثانوية لدى الأغلبية حينها، وخرجت تهلل وتطالب بعودة بطل الهزيمة.

حافظ الأسد وأخيه رفعت ومصطفى طلاس(ميدل ايست اونلاين)

استمر حكم العسكر لمصر حتى وصلنا إلى مهزلة السيسي، أما سوريا فدمّرت اجتماعياً وسياسياً وعمرانياً على يد جيشها (جيش نظام الأسد)، وشرّد السوريون في بقاع الأرض.

نتائج

استمر حكم العسكر لمصر حتى وصلنا إلى مهزلة السيسي، أما سوريا فدمّرت اجتماعياً وسياسياً وعمرانياً على يد جيشها (جيش نظام الأسد)، وشرّد السوريون في بقاع الأرض.

بعد مضي أكثر من نصف قرن على الحرب المهزلة، ما زال قسم كبير من الشيوعيين واليسار العربي والعروبيون وحتى تيارات أخرى من الشارع العربي ينظرون إلى الأسد وعبد الناصر كأبطال، ويرون سبل المقاومة في قوى دينية مثل حزب الله وحماس.

إن مواجهة إسرائيل غير ممكنة دون وجود مجتمع مستقر، تحكمه المؤسسات وتتمكن من تعبئة قوى أفراده، إضافة إلى وجود نخب تتمتع بالحنكة الدبلوماسية والسياسية، ووجود بنية إعلامية تجيد التعامل مع متطلبات أي مواجهة داخلياً ودولياً، وعدا عن ذلك فالخطابات القومجية والدينية والجعجعة لا تُسمِن ولا تغني من جوع، بل تعيد اختراع العجلة الصدئة.

وزير الدفاع الإسرائيلي موشي دايان يتوسط قدة عسكريين خلال الحرب(DW)

عمار عكاش، كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الجنسانية والثقافية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.