تصدع فكرتي السيادة والجمهورية السوريتين

بقلم: ماجد كيالي – 

لم يبتذل مفهوم سيادة الدولة بقدر ابتذاله، أو استخدامه، في القضية السورية، في بلاد ابتذل فيها كل شيء، فالدولة قضمت، وأضحت مجرد نظام أو سلطة، والديموقراطية اختزلت بانتخابات صورية، والانتخابات باستفتاءات، والمواطن بالموالي أو الخانع أو الخائف، حتى الدساتير تم ابتذالها إلى مجرد حبر على ورق، في بلاد تهمّشت فيها القوانين ولا سلطة فيها إلا للحاكم.
المعنى أن فكرة السيادة هنا تفتقر إلى الركنين اللازمين، حتى من زاوية الفكر القانوني الدولي، وهما التزام الحاكم بالدستور، أي بالعقد الاجتماعي، ووجود مواطنين بمعنى الكلمة، الأمر الذي يطرح التساؤل حول مضمون كلمة «وطنية» هنا، المقترنة بالسيادة، إلا إذا كان القصد منها الدلالة على الحاكم، الذي اختزل المواطنين والوطن بشخصه. وربما يجدر التذكير، في هذا السياق، بأن هذين الركنين باتا لزوم أي دولة حديثة، بغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي، سواء كان ديموقراطياً أو غير ديموقراطي، فحتى المنظرون للحاكم الفرد، أو الحاكم المطلق، مثل مكيافيللي وبودان وهوبز، اشترطوا عليه الارتباط بفكرة الحق، أو الخير العام، أو تحقيق الأمن والسلام.
هكذا، ففي الحالة السورية ثمة كثير من الحجب والمخاتلة والتلاعب في إشهار مفهوم «السيادة»، الذي بات خاوياً، ليس بواقع افتقاد النظام الشرعية، واحتقاره الحقوق والحريات، في بلد جرى فيه تغيير الدستور بالتصفيق، وتحولت فيه الجمهورية، التي لم يبق منها إلا «الحرس الجمهوري»، إلى وراثية، وإنما أيضاً من واقع تغييب المواطنين، أو عدم اعتراف السلطة بالمكانة الحقوقية والقانونية للمواطن الفرد، المستقل، والحر.
معلوم أن الفكر السياسي الحديث لا يعترف بوجود مواطن مجرد من الحقوق، أو من المكانة القانونية، فهذا بالضبط ما يميز مواطن الدولة الحديثة، أو النظام الجمهوري، عن الفرد من «الرعية» في أنظمة الحكم المطلق، أو أنظمة العصور الوسطى وما قبلها، المستندة أساساً لفكرة التفويض الإلهي، أو الغلبة. لذا فليس اعتباطاً أن الأول يتألف من أفراد، متساوين، يتمتعون بحرية إرادة، في حين أن الثاني مفهوم جمعي لأشخاص لا ذوات خاصة لهم ولا مكانة حقوقية ولا إرادة حرة.
وفي الجدل في شأن فكرة السيادة، في الدولة الجمهورية، بحسب آباء نظريات العقد الاجتماعي، لوك وروسو وكانط (القرنان السابع عشر والثامن عشر)، فإن السيادة للشعب، الذي يؤلف الإرادة العامة، والذي يتألف من مجموعة أفراده، الأحرار والمتساوين، وعلى أساس حكم مدني، والفصل بين السلطات، وهذا هو معنى الجمهورية. بل إن لوك وروسو يتوافقان على أن شرعية أية سلطة مشروطة بالتزام الحاكم صيانة الحقوق والحريات الفردية وإلا فللناس الحق في الثورة عليه. وعند روسو، أيضاً، فإن الإرادة العامة للشعب هي فوق أية إرادة فردية، وأن «السيادة هي جمع أصوات المواطنين كافة… إذ لا وجود للشعب خارج الأفراد الذين يتكون منهم». وبالنسبة لكانط فقد ركز منهجه على مكانة الدستور المدني، الذي يتأسس على ثلاثة مبادئ: «حرية أعضاء المجتمع، ومبدأ خضوعهم جميعاً لقانون واحد مشترك، ومبدأ المساواة بين الجميع، وعلى قاعدة الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية».
وعودة إلى المثال السوري، فمنذ قرابة خمسة أعوام، ومع اندلاع الثورة في سورية، أو منذ تفجر الأوضاع فيها، بات مفهوم «السيادة الوطنية» سيفاً مسلطاً على السوريين، وتغطية للتخلّي عنهم، كأن إمعان القتل فيهم وتشريدهم وتدمير عمرانهم، لا يكفي، أو كأن كل ذلك بات من شؤون السيادة الوطنية. واللافت أن الحديث عن ذلك لا يتوقف على النظام، لا سيما الرئيس ووزير خارجيته وممثله في الأمم المتحدة، وإنما هو يشمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، فضلاً عن آية الله خامنئي، والرئيس الإيراني حسن روحاني، وكل أعضاء الجوقة الآخرين. أي أن كل هؤلاء الذين يقتلون ويدمرون في سورية، بواسطة الطائرات والمدفعية والدبابات والميليشيات، باتوا يشهرون هذه المقولة، كأنها باتت عندهم بمثابة درع لصد أي محاولة خارجية للتدخل لوقف المأساة السورية، وكتبرير يبيح لهم إطلاق يدهم في البطش بالشعب السوري.
المفارقة أن النظام في خطابه إلى العالم يبدي كثيراً من التروي والعقلانية وطول النفس، التي تبعث على الدهشة، في حديثه عن ضرورة التزام القانون الدولي، وحل الخلافات بين الدول بالوسائل السياسية، ونبذ العنف في العلاقات الدولية، في حين أنه ينتهج نقيض ذلك في علاقته مع شعبه، إذ يتصرف بأسوأ ما يمكن أن تتصرف به أية سلطة احتلال، حتى أنه فتح البلد على مصراعيه للقوات والعصابات الأجنبية التي تدافع عنه. والحال فإن النظام هنا يريد أن تتعامل معه الأسرة الدولية بطريقة ديموقراطية وبالوسائل السلمية والديبلوماسية، في حين كان حرياً به هو أن يتعامل، منذ البداية، وفقاً لهذه الطريقة مع شعبه، أو ما يفترض أنهم شعبه.
وكما قدمنا فإن الأمر لا يتوقف على كسر النظام لمفهوم السيادة، وابتذاله، باختصاره بإرادة شخص واحد، خصوصاً أن ثمة علامات شك بخصوص شرعيته، وطريقته في الحكم، إذ انه كسر قبله، أو قوض، مفهوم «الجمهورية»، أو أن سورية دولة جمهورية، بحكم هيمنته على المجال العام، السياسة والتعليم والإعلام والاقتصاد والجيش، طوال أكثر من أربعة عقود. هذا حصل، أولاً، بإعاقته قيام دولة المؤسسات والقانون، التي ضمرت، لصالح تغوّل الأجهزة السلطوية. وثانياً، بإعاقته قيام المجتمع، باعتباره مجتمعاً حقاً، بإبقائه عند حيز الانتماءات الأولية، الطائفية والمذهبية والاثنية والعشائرية، مع تلاعبه بتراتبية هذه المكونات ونمط علاقتها التنافسية أو التنابذية مع بعضها. وقد شهدنا، أيضاً، أن هذا النظام الذي تغطى بطريقة ديماغوجية بشعارات: الوحدة والحرية والاشتراكية، هو ذاته الذي لم يمكّن السوريين من تحقيق أنفسهم كشعب، أو إيجاد إجماعاتهم كمجتمع، وهو الذي صادر حقوق وحريات السوريين، وهو الذي ذهب بعيداً نحو ليبرالية متوحشة، بتحكمه الفج بموارد البلد، متفلتاً من أية معايير أو قوانين، أو قيم أخلاقية.
الفكرة هنا أن هذا النظام هو المسؤول عن انهيار الدولة أو «الجمهورية»، وذلك قبل اندلاع الثورة بكثير، التي ما كانت لتندلع أصلاً لولا أن الأمور سارت على هذا النحو، وتفاقمت إلى هذا الحد. ويجدر التنويه أننا لا نتحدث هنا عن الديموقراطية، وإنما فقط عن دولة مؤسسات وقانون، دولة تفصل بين السلطات، دولة مواطنين أحرار ومتساوين، دولة جمهورية، لا أكثر ولا أقل، ومع التذكير بأن هذا استغرق أكثر من أربعة عقود من دون أن توضع الدولة والمجتمع السوريان على هذه السكّة، بل إن هذه العقود الأربعة تم عمل كل شيء بها للحيلولة دون وصول السوريين إلى هذه السكّة.
طبعاً لا تنطوي هذه المداخلة على قناعة مفادها أن النظام الدولي لا يتدخل في الشأن السوري، إلى الدرجة المناسبة، وبالطريقة الصحيحة، احتراماً لمفهوم السيادة الوطنية، إذ إن هذا المفهوم لم يجر احترامه يوماً، منذ تم تأسيسه في معاهدة «وستفاليا» (1648)، حتى اليوم، ولدينا أمثلة كارثية عن ذلك في منطقتنا بالذات، وفي الوقت القريب. لذا ومع تأكيدنا أن النظام الدولي يتألف من دول وليس من جمعيات خيرية، وإنه لا يتحرك وفقاً للمعايير الأخلاقية أو القانونية، وإنما وفقاً لمصالحه وأغراضه الخاصة، وبالأحرى وفقاً لما تقرره الدول العظمى المتحكمة به، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن هذا التخلّي عن السوريين لا يمكن تبريره على الإطلاق، بل إنه دلالة على انهيار أخلاقي وقيمي، ربما يصعب تعيين التكهن بتداعياته.
إزاء هذه الحالة، أو الكارثة، أو هذا الاستعصاء، ثمة أسئلة متعددة، معقدة وصعبة، تطرح نفسها مثل: ما هي مآلات الجمهورية السورية على صعيد الدولة والمجتمع، وعلى صعيد الجغرافيا والديموغرافيا؟ وهل ما زال ثمة أمل يرجى من استمرار هذه الجمهورية؟ وما هي الإجماعات الجديدة التي ستتشكل عند السوريين الجدد؟ وأخيراً ما هو شكل المشرق العربي الذي ينتظرنا أو ننتظره؟

الحياة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.