تسبيحة المنفى

الأيام _ عبود سمعو

سَالَ الرخامُ بدونِ أيّ تكلّفِ
كيف التلاقي بعد طولِ تلهّفي
كم كنتُ في صوغِ المسافةِ شاعراً
ومهَلهَلاً في جذعها المتهفهفِ
جرحانِ…
جرحانِ فوق قميصها القطنيّ
جرحانِ نحنُ
تقاطرتْ أطرافنا وتباعدتْ
كأصابعٍ
لا بدّ يلتقيانِ
في ساحة المرجة على إيقاعِ أغنيةٍ
يفرّ الموتُ مبتسماً
يغادرها ويتركنا
نرمّم صَدْعَ ذاكرةِ العصافير الحزينةِ
في الشآمِ فينزوي بردى
بقبلةِ غوطتيهِ ليرتمي عطشاً
فترتميانِ

لا تخبروا أحداً بأنّي زرتُها
في موسمِ الكتمانِ
وحملتُ عنها موعدينِ من الأسى
وشربتُ أحلامي بمعبرِ موتهمْ
وبكيتها…
ونجا الرّصاصُ من الخطى
لا تخبروا أحداً بأنّي ههنا
سأعلّقُ الميمَ الأنيقة
فوق كتفِ الحربِ مثل
تميمةٍ
أو ربّما في رقصةٍ
صوفيةٍ تدعى “السماح”
فتدور في رأسِ القصيدةِ
تاءُ تأنيثِ البلادِ
فأغدقتْ حلبٌ
بعينيها الزمرّدُ حافياً يهوى
التمرغَ جاثياً
كحجارةِ البيتِ المدمّر ثمّ
يلثمُ ما تبقّى من الصباحْ

وتجيء من أقصى المدينةِ أنثى
الله أعلمُ أنّها حبلى تجرُ الأرضَ في تعبٍ
فتجلس خلسة في الشمسِ يتبعها
أنينُ الشعرِ ينبئها
بأنْ هزّي إليكِ بجذعها
يتساقطُ الحزنُ المخمّرُ في جذور الياسمينْ

نضحتْ مساماتُ المسافرِ
في الضبابِ وصوتنا
فتسمّرتْ في حبلها السريّ
أغنيتانِ
وزقاقُ ذاكرةٍ يحملق في جدائلها
ليجمعَ شملَ ذاكرتينِ في حزنٍ محنّطِ
كالسماءْ
الحزن ماءْ
الحزنُ بيدرنا ويطفو فوقنا
لا بحرَ في حلبٍ ليحملها وتحملهُ كطفلٍ
شاب من زبدِ الخيالِ
كأنّها الظلُّ الذي قد مرّ من تحتِ الركامِ يشدّها
فتشدّ أبعادَ المكانِ ولعبةً
في العرضِ تحملها
وتنحنيان

كالسهمِ تطلقها فتنبت في المحالْ
“أمّاهُ يا أمّاّهُ”…
لتصير أرشيفاً قديمْ
يا جوقةَ الأطفالِ مرّي
في صهيلِ الصبحِ
جمراً بين أكمامِ الرمادِ ليستقيمْ

فالحزن ماءْ…
والتوقُ أوّلهُ دمشقُ
وخاتمُ التوق اللقاءْ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.