“تركيا حلم يتحقق”

قررت جماعة غولن أن تستثمر تغلغلها كبنية حزبيه سريه في كل اركان الدوله والمجتمع، وقامت بتسريبات وأعمال عدائية ضد حكومة الحزب، وكان آخرها واخطرها محاولة الانقلاب التي افشلها الشعب التركي، والتي استفاد منها الحزب و الحكومة.

الأيام السورية - أحمد محمد العربي

أولاً: ان المتتبع لمسار الوضع السياسي التركي منذ 2002 تاريخ استلام حزب العداله والتنميه التركي السلطه في البلاد والى الان، لا بد ان يتوقف مليا اما قصة نجاح متميز لحزب وضع استراتيجيات وخطط للحكم والدوله والمجتمع وما يطال كل مناحي الحياة، واستطاع ان ينفذها وينجح بالاستمرار بالحكم ديمقراطيا عبر انتخابات برلمانيه عده، وان يضع في سدة الرئاسة رئيسين متتالين من حزبه: عبد الله غل ورجب طيب اردوغان مؤسس الحزب ورئيسه، وما زال اردوغان رئيسا لتركيا الان والى.

ثانياً: جاء حزب العدالة والتنميه للحكم في تركيا، وفي اجندته خططا كاملة لتركيا على -كل المستويات- كما يجب ان تكون برؤية الحزب، حيث كانت تركيا تعاني من ازمة اقتصاديه و تعيش صراع مرير مع ال ب ك ك حزب العمال الكردستاني، واحزابها ضعيفه وبلا افق، واغلب قياداتها مهتم بمحاصصاته ومصالحه الضيقه، كتحالف رجال السياسه والمال والاعمال والجيش (الدولة عميقه) تهيمن عليها وتمتص خيراتها، حيث القانون شبه غائب ودستور انقلابي يفعل حضور الدوله العميقه، لضرب اي تغيير حقيقي في تركيا يحاول ان يلغي هيمنة هذه الفئات؛ تحت حجة حماية الدولة التركيه والعلمانيه وغيرها، وسياساتها تابعه الغرب وعلى رأسه امريكا؛ عبر مواقف سياسيه متناقضه مع هوية تركيا وتاريخها و موقها خاصة لصالح (اسرائيل)، فهي عضو في حلف الناتو ورأس حربه له على الحدود مع الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا لاحقا.

ثالثاً: وصل حزب العداله والتنميه الى الحكم بمفرده، مما جعله يباشر بتغييرات جوهريه على كل المستويات، فعلى المستوى الاقتصادي دخلت تركيا في معدلات نمو قياسيه وتحولت من مدين الى دائن، وقويت العمله التركيه وتعافى الاقتصاد، ووجد التركي نفسه في حياة ﻻئقة وبدأت عجلة التغيرات النوعيه في الاقتصاد؛ تظهر الجسور وتتكاثر، والقطارات تمتد في طول البلاد وعرضها، وكذلك المترو وتنمو السياحه، وتظهر فرص العمل وحصلت نهضة عمرانية كبيرة، وراكم كل ذلك لتصبح تركيا في الموقع 16 من اكبر اقتصادات العالم.

رابعاً: وعلى المستوى الداخلي سياسيا عمل الحزب بشكل جدي لحل المشكله الكرديه، فانهى الصراع مع الدوله، واستطاع امتصاص الاحتقان ونقل الاكراد من ان يكونوا كتلة صراع مع الدولة والمجتمع، ليكونوا جزء من سياستها وليدخلوا في اللعبة السياسيه، وتبدأ اوضاعهم الحياتيه بالتحسن وتبدأ مناطقهم بالتطور؛ والدخول في بنية الدوله وتتحسن اوضاعهم المعيشيه.

بدأ الحزب بالتدريج يتجاوز نقاط الضعف في الدستور؛ عبر تمرير تعديلات به في كل فترته بالحكم وكونه يمثل اغلبية نيابيه، فحجم الجيش واعاده ليكون تابعا للدولة.

خامساً: اما خارجيا فتكاد تكون سياسات الحزب انقلاب على سياسات تركيا السابقه.، فقد اعاد الاعتبار لعلاقه تركيا بامتدادها الاقليمي والاسلامي، وأخذت مواقف عادله من قضايا المنطقه في فلسطين ولبنان والعراق وغيرها، وعمل بنظرية تصفير المشاكل مع الكل، ومد الجسور الاقتصاديه والسياسيه ودشن عصر الغاء الفيزا بين تركيا وعدد كبير من الدول، وتطورت السياحه والاعمال واصبحت تركيا قبلة يتوجه لها كثير من الناس والدول.

سادساً: وعند مجيئ الربيع العربي والثورات كان موقف الحزب ومن ثم تركيا مع حق الشعوب العربيه بالحريه والعداله والديمقراطيه، ومتفهما لموقف الشعوب لعدائها لدولها الاستبداديه الظالمه، وأخذ موقفا استراتيجيا معها، جعله وتركيا من خلاله يدفع ثمن ذلك بمواجهة اطراف دوليه واقليميه وجدت نفسها مع الانظمه الاستبداديه او مستفيدة من وجودها، او مستثمرة بالصراع الداخلي المرعي دوليا واقليميا، والذي طال بلاد الربيع العربي كلها تقريبا.

سابعاً: لم ترض اغلب الدول الاقليميه عن دور تركيا من الربيع العربي وخاصة من الثورة السوريه، ولا عن نهضتها وتطورها ودورها الاقليمي والعالمي، فسرعان ما تكتلت جهود النظام الاستبدادي السوري مع روسيا وايران على خلق الفتن الداخليه في تركيا، وذلك عبر احزاب سياسيه كانت قد انحازت للسلم الاهلي؛ والمقصود حزب العمال الكردستاني الذي اعطي وعودا بدعمه ليقاتل الدوله التركيه ليصل لدولته القوميه على جزء من تركيا؛ وعادت العمليات الارهابيه لل ب ك ك وامتداده السوري ال ب ي د، وبدأت تركيا حرب معلنه ضده كحرب على الارهاب الذي يستهدف الامن القومي التركي وما زالت مستمره، وكذلك ارتابت الدول الاوربيه والغرب عموما من اسلامية الحزب رغم انه يعلن علمانيته وديمقراطيته دوما، ودعمت الاكراد تحت دعوى حقوقهم القوميه، ودعمت ايضا جماعة الكيان الموازي لفتح الله غولن الذي فك تحالفه مع الحزب، وذلك عندما أظهر موقفه المختلف مع الغرب اتجاه قضايا المنطقه خاصة فلسطين ولبنان والربيع العربي بعد ذلك، فقررت جماعة غولن ان تستثمر تغلغلها كبنية حزبيه سريه في كل اركان الدوله والمجتمع، وقامت بتسريبات واعمال عدائيه ضد حكومة الحزب، وكان آخرها واخطرها محاولة الانقلاب التي افشلها الشعب التركي، والتي استفاد منها الحزب و الحكومه لتقوم باقوى واكبر حملة اعتقالات طالت كوادر واعضاء الكيان الموازي في الجيش والدوله والمجتمع وصلت لعشرات الالاف.

ثامناً: وبالعوده الى الخيارات الاستراتيجيه للحزب وقدرته على ان يتأقلم مع المستجدات الداخليه والخارجيه، ويعود اقوى مستمرا بتنفيذ خططه الاستراتيجيه، فبعد ان شرعن شعبيا حربه على ال ب ك ك كارهاب يطال الدولة والمجتمع التركي، وبعد ان اعاد تعديل المسار السياسي مع (اسرائيل) والروس الذين حولهم من عدو الى شريك اقتصادي وشريك سياسي في حل قضايا المنطقه بحدود التوافقات بينهم وهذا ما حصل مع ايران ايضا، حيث ثبتت  المصالح الافتصاديه وتوافقوا معهم والروس على دور فاعل في سوريا كان من منتجاته مؤتمرات الاستانه بكل مراحلها، كما انها لم تغلق الباب على التنسيق مع الغرب وامريكا في الملف السوري وداعش؛ حيث استطاعت ان تكون طرفا له قواته العسكريه على الارض داعما للجيش الحر ومحجما لل ب ي د رغم ان ذلك لم ينجح تماما، لان الامريكان لم يوضحوا موقفهم بعد حول حدود ومقدار مساعدتهم ومداه المستقبلي؛  علما ان تركيا ترى ال ب ي د تهديدا قوميا وارهابا.

تاسعاً: وعلى المستوى الداخلي استمرت حكومة العداله والتنميه معركتها مع ال ب ك ك وحجمته نسبيا، واجهزت تقريبا على الكيان الموازي وها هي تلاحق -دوليا- رموزه وخاصة فتح الله غولن، وحاربت ارهاب داعش داخل تركيا وخارجها -في سوريا خاصة- وحجمت تواجدها واعتقلت اغلب خلاياها النائمه في تركيا، واحكمت اغلاق الحدود مع العراق وسوريا منعا لتسربهم للداخل التركي، وتعمل جاهدة لاقناع الامريكان بانهم هم الاكفأ للمشاركه لضرب داعش في سوريا من ال ب ي د بغطائها المسمى قوات سوريا الديمقراطيه، وهاهي تقنع كل الاطراف بانها مهمه جدا لمستقبل اي حل في سوريا، وتثبت نفسها كعراب وضامن وراعي لاتفاق الاستانه 4 الاخير عن المناطق منخفضة العنف.

عاشراً: واستمرارا لخطط حزب العداله والتنميه بتغيير السياسه التركيه جذريا، فقد كان اهم ملف يجب ان يحسمه هو ملف الدستور التركي؛ الذي كان عند كل الاطراف داخليا وخارجيا نموذج للنصر العظيم او الهزيمه القاسيه لحزب العداله والتنميه والرئيس اردغان، لذلك لاحظنا الاهتمام الدولي والاقليمي والادوار الكثيرة لاوربا التي عملت ضد توجهات الحزب لتثبيت الدستور لاعتباراتها الخاصه، وحصلت اكبر حملة اعلاميه ونشاط محموم عبر كل وسائل التواصل الاجتماعي وميدانيا، ولم يترك اي منبر او اسلوب او حجه الا واستخدمت ممن مع وضد الدستور الجديد، وحصل الاستفتاء واقر الدستور بنسبه صئيله فوق النصف، لكنها كافيه لتحسم المعركه نصرا للحزب بالنقاط وليس بالضربه القاضيه، وبمحاولة فهم هذه النسبة الملتبسه نقول ان الاتراك كانوا متخوفين على ديمقراطيتهم، وبالتالي لم يصوتوا حسب توجهاتهم الحزبيه؛ بل حسب قناعاتهم الشخصيه ومقدار استيعابهم للحاله وابعادها، والاهم ان كثير ممن صوتوا بنعم كان موقفهم قائما على الثقه الشخصيه بالرئيس اردغان وحزبه وانه ضمانه المستقبل.

ان كثير من الاكراد صوتوا بنعم لانهم قرروا الانحياز للدولة ورمزها حزب العداله والتنميه واردغان، في مواجهة ال ب ك ك الذي يريد ان يعيدهم الى الصراع السابق ونتائجه المأساويه عليهم بشكل اساسي في مناطقهم ولاولادهم ولمستقبلهم الشخصي قبل الدولة التركيه عموما.

أخيراً: حزب العداله والتنميه الان يتصرف وهو مرتاح؛ فهذا الرئيس اردوغان يعود لصفوف حزبه، وسيفعل الدستور في انتخابات 2019 الرئاسيه والتشريعيه، و ينسق توافقاته المجتمعيه مداويا جراح الاستفتاء على الدستور، ومعيدا لهجته التصالحيه مع اوربا واعتبار الانضمام للاتحاد الاوربي خيارا تركيا استراتيجيا، ومغازلا الامريكان وموضحا لهم ان تركيا هي الاقرب لهم لتنفيذ سياساتهما في المنطقه خاصة سوريا والعراق، ومحولا تركيا لطرف ضامن وفاعل في الملف السوري خاصة توافقات الاستانه الأخيره.

ونحن انطلاقا من مصلحة الشعب السوري وثورته؛ نؤكد ان تركيا ديمقراطيه ودون مشاكل داخليه وناجحه اقتصاديا؛ هي سندا لنا وداعما لتحقيق مطالبنا باسقاط الاستبداد وبناء الدولة الوطنيه الديمقراطيه في سوريا، فاكبر تواجد سوري فيها وتعاملها كدوله مع السوريين يكاد يكون نموذجيا، ونجاحها كنموذج ديمقراطي علماني بخلفيه اسلاميه وعادل ينتصر لمصالح عموم الناس مهم جدا لنا؛ و يقوي في نفوسنا و حياتنا الامل والعمل لننتصر لمطالبنا باستمرار ثورتنا لاسقاط النظام الاستبدادي المجرم والعمل لبناء دولتنا الوطنيه الديمقراطيه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.