تركيا جسرٌ إلى الدنيا، وحكايات الحالمين بالعبور

خطر العبور إلى تركيا كخطر البقاء…. آثرتُ القيد والسجن في وطني، وأنت ماذا اخترت؟!!

الأيام السورية؛ فرات الشامي - إدلب

جبالٌ شاهقة؛ بمنظرٍ خلّاب يشدُّ إليه القلوب، حيث الأمان، الرغبة في عقد هدنةٍ مع الحياة، تدفع بالكثيرين التوجه إلى الحدود، وتولية وجوههم شطر “تركيا”؛ مهما بلغت الرحلة من عناءٍ أو قسوة.

غاراتٌ للطيران الروسي على مطار أبو الظهور، وصافرة الإنذار يعلو صوتها، مع برودةٍ في الطقس التي تنخر العظام؛ الساعة التاسعة والنصف صباحاً وبالكاد تسمع صوت مشيٍّ في الطريق؛ حتى المدرسة المجاورة أغلقت أبوابها؛ خوفاً على الأطفال.

مشهدٌ سبق اللحظات الأولى للكتابة، في وطنٍ يفتقد إلى أهمّ مقومات العيش… “الأمان” وللأسف إنّها الحرب التي دفعت بعض الناس بمختلف شرائحهم وفئاتهم العمرية للتفكير بالهروب من جحيمها.

البحث عن “الأمان” رحلةٌ مكلّفة، لكنّها تغدو بديلاً عن خيار حمل البندقية؛ أو الانحياز لأحد أطراف الصراع في سورية، وربما البقاء يعني من جملة ما يعنيه الانخراط في إحدى الفصائل المعارضة؛ المتناحرة فيما بينها على مُلكٍ من “قش”…!!

العبور باتجاه “تركيا” يشكّل جسراً إلى الحياة الطبيعية؛ كما يحلو للبعض توصيفه؛ لاسيما الشباب الذين فقدوا الأمل من انتهاء الحرب؛ التي انحرفت بسورية وجعلتها ملعباً لتصفية الحسابات الدولية، وبؤرةً للصراعات بين الدول العظمى.

“أبو فهد” استطاع قبل شهرين أن يؤمِّن طريقاً من دمشق إلى إدلب؛ لأخته وزوجها الذي يريد الفرار من خدمة العلم؛ لكنّه ما استطاع أن يسلك بهم طريقاً يصل بهم هرباً إلى الأراضي التركية؛ على الرغم من المحاولات التي وصلت إلى ما يزيد عن 25 محاولة فاشلة.

البعض اصطدم في طريق الهروب بثلّةٍ من “المهربين” الذين استغلوا ظروفهم، ليجدوا أنفسهم على قارعة الخيبة، محمّلين بأكياس السفر الخفيفة أو حقائب صغيرة، ولسانٍ يكثر من الشكوى والشتائم على أشخاصٍ مجهولين، عملهم خداع الناس عبر مسمى “مهرِّب”.

تكلفة العبور إلى برِّ الأمان “تركيا” تتراوح ما بين 2500$ إلى الثمن الباهظ غالباً، المتمثل بأرواح العابرين. عيارٌ ناري من حرس الحدود على طول الشريط الفاصل بين الأرض السورية والتركية ينهي الرحلة ويرفع التكلفة والروح إلى السماء. في مشفى “دركوش” شواهد كثيرة، على حالات الإصابة برصاص الجندرما. الأطباء يتندرون بتسمية إحدى الغرف “غرفة الهاربين برصاص الدرك إلى الجنة”.

مخاطر الطريق، تضاف إلى تكلفة النجاة؛ أمّا الأسعار فما تزال رهينة “المهربين”؛ أولئك الذين اجتمعت عليهم صفة “الانتهازيين” على حدِّ وصف عوام الناس هنا في إدلب.

الثمن الأقل للعبور المضمون قد يصل مع مهربٍ ذا ضميرٍ يقظ إلى 600$ للفرد الواحد؛ بحسب تجربةٍ قمت بها قبل نحو ثلاثة أشهر، تحت عنوان التعرف والعلم بما يقال؛ بنيتها على مفاوضة أحد “المهربين الشرفاء”؛ لكن الصدمة باضطرار الهارب للعبور عبر حواجز على الطريق وضعتها “هيئة تحرير الشام”؛ التي تفرض ضريبة تقدر بنحو 30$ للشخص الواحد؛ على أن تعيدها في حال عدم التمكن من الهروب أو العبور. ولعل عملية البحث عن مهرِّبٍ كانت أسهل من البحث عن بقالية؛ فالكثير من الشباب امتهن تلك “الحرفة” الدخيلة؛ التي باتت أكثر مصادر الدخل وأفضلها مقارنةً ببقية المهن الخطرة على المستوى المادي والشخصي، بالمحصلة التسمية لا تهم، دلّال طريق أو مهرِّب في النهاية أنت من أصحاب الدخل المرتفع الذي يسمح لك أن تركب سيارة على الأقل.

رحلةٌ إلى النعيم أو الجنة وفي أقل تقدير باتجاه “الدنيا”، تستغرق مسافةً تقدّر بنحو ست ساعات سيراً على الأقدام… بحسب “أبو حسام” 45 عاماً المهرِّب الذي حاول أن يخدمني؛ واشتكى من عرقلة عناصر الهيئة قائلاً: ((نحن شغلنا لله عزّ وجل، فيدْ واستفيد، شغلة إنسانية؛ الضريبة بالإسلام حرام واسمها “مكوس” بقى ليش هيك ع يعملوا؟! ياريت باعتبارك صحفي تكتب عن هي القصة دخيلك)).

أمّا هيئة تحرير الشام؛ فلا تزال تخفي الفتوى التي تشرعن بموجبها جمع الضرائب من المهربين، والعابرين على حدٍّ سواء؛ لتبقى في إطار الغموض كما كل الأشياء حولنا.

يعامل الأطفال في بعض الحالات كالكبار، وفي أحسن الأحوال يعتبر كل طفلين بمنزلة الواحد، وعلى هذا الأساس يدفع المبلغ المعلوم مقابل الفرار؛ وغالباً ما تكون تلك المبالغ المدفوعة عبارة عن حصيلة مدخرات العائلة مضافاً إليها بعض ما يصلها من مساعداتٍ من صديقٍ أو قريب يقيم في إحدى الدول الأوروبية أو الخليجية.

حلمُ العبور نحو الأمان، بقي بالنسبة للبعض وعداً، مجرد فكرة أو خاطرة، والبعض الآخر دخلت لديهم ضمن جدول المحاولات الفاشلة والمستمرة، أمنياتٌ يشوبها ظرف التفكير في الخلاص من عيشٍ فوق صفيحٍ ساخن.

شبابٌ يتندر ويعتبرها “مغامرة” نحو “جزيرة الكنز” شخصياتها لا تختلف عن “جيم هوكينز” و”القرصان سيلفر”؛ إلا من حيث بعض التفاصيل التي تتعلق بظروف ودوافع الرحلة.

يواجه بعض الهاربين خطراً يتمثل باحتجازهم لدى عناصر الجندرما التي غالباً ما تلقي عليهم القبض وتزجُّ بهم ليومٍ كاملٍ في أحد المخافر التركية، ثم تعيد إطلاق سراحهم وإرجاعهم إلى حيث الجحيم السوري.

قبل نحو أسبوعين يؤكد سائق التكسي “عبدو” -من دركوش-في طريقة عودتي إلى إدلب أنّه ساعد عائلةً عراقية مؤلفةً من رجل وامرأته و3 أطفال، تعرضوا لحادثة سرقة من شخصٍ ادّعى أنه “مهرِّب”؛ استلم منهم 2500$ وتركهم في الطريق تحوم حولهم “الضباع”.

قصصٌ تنوعت في إطار البحث عن تركيا التي شكّلت ملاذاً آمناً للسوريين، وجنةً على الأرض أو حتى جسراً إلى الدنيا، أمّا حكايات الحالمين بالعبور هنا فهي كما يقال: “غيضٌ من فيض”… ومن الممكن أن تقول: “ما خفي كان أعظم”، والحرج في الإطالة والخشية من الإساءة يدفع للصمت أمام هوّلِ قصصٍ يشيب لها الولدان.

عام 2010 قررت دراسة اللغة التركية؛ الإعلانات في ساحات دمشق كانت تؤكد أنّ “إسطنبول” جنة الله على الأرض، لكن تكلفة التعلم كانت صادمة، رغم أنّ السفيرة الثقافية التي دخلت غرفتها كانت جميلةً ولطيفة؛ وفي مثل سني تقريباً، لدرجةٍ أجبرتني على حجز كرسيٍّ للدراسة، يومها كانت الغرفة توحي فعلاً بالدفء التركي؛ أما اللافتة المعلّقة خارج المركز الثقافي فقد كتب عليها:

Türkiye, Tanrının yeryüzündeki cenneti، تركيا جنة الله في أرضه.

يرافقها منظرٌ كهذا:

مسجد على ضفاف بحيرة اوزنجول في تركيا – المصدر: ترك برس

يقول البعض لتركيا: نارك ولا جنة أهلي، Nark ve aile cenneti yok يومها كدت اختار النار.

بالمحصلة: خطر العبور كخطر البقاء…. آثرتُ القيد في وطني وأنت ماذا نختار؟!!

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.