تركيا بين معاهدة لوزان والصراع الاقليمي

خاص بالأيام || اعداد: نهى شعبان – 
تحولت منطقة الشرق الأوسط وبشكل خاص بلاد الشام إلى منطقة صراع عالمي-اقليمي بامتياز. فالفوضى الاقليمية التي طالت كل الدول الاقليمية ودولاً عظمى على حد سواء، لا بدّ من أن تنتهي بتقسيمات جديدة تتناسب مع الخارطة الجيوسياسية والعسكرية الجديدة التي فرضها غزو العراق والثورة السورية، وتعارضها مع مصلحة اسرائيل، ونجاح النظام المجرم في دمشق ؛من تشكيل تحالف قوي في غياب أمريكي نتج عن سياسة مكيافيلية أمريكية في ظل إدارة أوباما.
ولفهم ما قد تؤول إليه الأمور في الأشهر والسنين القليلة القادمة لا بدّ من الاطلاع على ما كانت عليه الحال قبل الزلزال السياسي والعسكري الذي ضرب المنطقة، وما تلاه من هزات ارتدادية وتسونامي كاسح ألغى معاهدة لوزان التي كانت المرجعية المعتمدة لإدارة المنطقة.

ما هي معاهدة لوزان؟

بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى وقعت تركيا اتفاقية للهدنة مع حلفائها في 30 اكتوبر من عام 1918 املى فيها الحلفاء المنتصرون شروطهم على الدولة العثمانية.
وفي اوائل شباط من عام 1919 طلب رئيس وزراء اليونان “فنزيلوس” احتلال ازمير وبموافقة انكلترا وفرنسا واميركا ،لتنزل القوات اليونانية في شهر ايار1919 تساندها البوارج التي دعمت هجومها،واحتلت فيها بريطانيا مدينة استنبول وواجهت مقاومة شرسة من قبل الوطنيين الاتراك ، اعتقلت اثنائها الكثير من الوطنيين وقررت نفيهم الى جزيرة مالطا ، لكن عددا كبيرا منهم هرب الى الاناضول واسسوا هناك حركة المقاومة الوطنية.

الدولة العثمانية

 

وفي شهر آب من عام 1920 وقع الحلفاء المنتصرون “اتفاقية سيفر” مع حكومة استنبول، املوا فيها شروطا مجحفة على الدولة العثمانية لتصفيتها واقتسام بلادها ومن ضمن هذه الشروط ان تحكم اليونان مدينة ازمير لمدة خمس سنوات واعلان كردستان دولة مستقلة ذات سيادة واعتراف تركيا بالانتداب في سورية وفلسطين والعراق.

خريطة

وبعد ذلك فشلت الحملة اليونانية على الاناضول وواجهت مقاومة وطنية شرسة من قبل المقاومة الوطنية بقيادة مصطفى اتاتورك وبدعم روسي، طالب فيها الاتراك بابطال “معاهدة سيفر” وشنوا هجوما على اليونان وطردوهم من الاناضول.

معاهدة سيفر

ما اضطر بريطانيا وانكلترا وايطاليا الى طلب عقد هدنة جديدة عام 1922 اصبحت انقرة هي الممثل الوحيد لتركيا وبعد مباحثات طويلة، اتفق المؤتمرون فيها والذي ضم العديد من الدول على معاهدة لوزان في شهر تموز 1923 واعلنوا فيها انهاء حالة الحرب وسميت بمعاهدة السلام .
و تم على اثرها تسوية وضع الأناضول والقسم الأوروبي من تركيا حاليا في الدولة العثمانية وتم ابطال معاهدة سيفر.
قادت المعاهدة إلى اعتراف دولي بجمهورية تركيا التي ورثت محل الإمبراطورية العثمانية والزمت الاتفاقية تركيا بحماية الاقليات المسيحية الارثوذكسية واليونانية بتركيا وحماية حقوق وحريات جميع المواطنين ضمن اراضيها بغض النظر عن الاصل والقومية واللغة والدين.

اتفاقية لوزان

 

وقد حددت المعاهدة ايضا حدود عدة دول غير تركيا مثل اليونان وبلغاريا وتركيا والمشرق العربي.و تنازلت فيها تركيا عن مطالبها بجزر (دوديكانيسيا) وقبرص ومصر والسودان والعراق وسوريا ، كما تنازلت تركيا عن امتيازاتها في ليبيا التي حددت في الفقرة 10 من معاهدة “أوشي” والتي تمت بين الدولة العثمانية ومملكة إيطاليا في 1912.
في المقابل، أعيد ترسيم الحدود مع سوريا بما يشمل ضم أراض واسعة وتضم من الغرب إلى الشرق مدن ومناطق مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش واورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر.

معاهدة أوشي

 

من الطريف ما يحدث في تركيا الان ، فهل تصدق ان حماة العلمانية في تركيا اصبحوا أشد حرصا على التراث العثماني من حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه اردوغان !! .يخطئ من يظن ان ما يحدث في تركيا الان هو اعتراض على قرار حكومي ما، او وقفة احتجاجية عابرة، بل هو في الحقيقة تلويح بالبطاقة الحمراء لاردوغان وقد يصل الامر الى اظهارها.

اردوغان

فأردوغان في الاونة الاخيرة اعتقد ان ما قام به من اصلاحات اقتصادية وتحسين اوضاع المواطن وعدم احتياجه الى صناديق وبنوك النقد العالمية قد تهيئه من اتخاذ الاجراءات والقرارات على الصعيد الداخلي التي تحد من القوانين والشروط التى قامت عليها تركيا ” اتاتورك ” العلمانية ،بموافقة الغرب المنتصر وقتها متناسيا ان تركيا اتاتورك؛ لولا توقيعها على ان تكون عضو في النادي العلماني، ما كان لها من كيان بعد سقوط السلطان عبد الحميد، فصفحة التاريخ مازالت قريبة وبنود الاتفاقية مدونة في عصر الالات وليس في عصر البخار، وهذا ما لم يسمح به الغرب والنظام العلماني الجديد ، فهناك مساحات قد يسمح بتجاوزها ولكن هناك خطوط حمراء خاصة بتركيا لايمكن الاقتراب منها وهذا ما تناساه اردوغان( تركيا لوزان )
وفي الحقيقة ما يحدث في تركيا اليوم؛ هو شهادة اثبات بان مشروع حكم الاسلام السياسي في حالة موت سريري.

السلطان عبد الحميد

 

ونرجع بالزمن الى اليوم وتحديدا” الى معركة الموصل تسارع الاحداث فيها ، وأول سؤال يتبادر الى ذهن المتابع للاحداث هو : هل سيلغي اردوغان اتفاقية”لوزان” لاستعادة ولاية الموصل؟وينفذ ما حاوله سلفه من قبل.
في حرب الخليج الثانية عام 1991 كان الرئيس التركي طورغوت اوزال يقول إنه إذا كان صدام حسين يقول إن الكويت محافظة عراقية، فإن العراق كله كان تابعاً لتركيا.ودعا اوزال رئيس حكومته” يلديريم آقبولوت “ورئيس أركانه “نجيب طورومتاي”، إلى تحضير الجيش التركي لدخول شمال العراق واحتلاله وإقامة فدرالية تركية فيه.
طورغوت اوزال

 

 

وفي العام 1994 كان الرئيس التركي “سليمان ديميريل” يتحدّث عن ضرورة تعديل خط الحدود التركية – العراقية لأسباب أمنية ويشير إلى الموصل على أنها تابعة لتركيا.

سليمان ديميريل

وفي العام 2004، كان وزير الخارجية التركية عبد الله غول يتحدث عن أنه إذا تقسّم العراق، فإن لتركيا حقوقاً تنجم عن ذلك في إشارة إلى ولاية الموصل ،وعندما أقرّ النظام الفدرالي في العراق، قال غول: “لقد سلّمنا”.

عبد الله غولن

اهمية معركة الموصل لتركيا:
في معركة الموصل اليوم والتي يصر اردوغان على البقاء فيها ويعتبر وجوده فيها امرا مفروغا منه حين قال لرئيس الوزراء العراقي : ( لن يخرجني احد من الموصل، شاء من شاء وأبى من أبى).
لقد ادرك اردوغان جيدا”بعد الانقلاب الذي حصل في تركيا ما يطبخ له في مطابخ السياسية ، ويتابع جيدا ما يجري في الساحة الدولية ،والاتفاقات التي تعلن فوق الطاولة، وتعقد تحتها.
فهل يتطلع اردوغان اليوم لالغاء اتفاقية لوزان لاستعادة الموصل باعتبارها كانت ولاية من ولايات الدولة العثمانية؟ ولسان حاله يقول بما ان العراق لم يعد موحدا حسب الاتفاقية، فإن لتركيا الحق باستعادةالموصل لمنع قيام “ممر كردي” على امتداد حدودها الجنوبية، واذا لم تنجح في ذلك فعلى الاقل من خلال اقامة منطقة نفوذ في الشمال السوري أساسها تركماني وسنّي.

معركة الموصل

كلام اردوغان عن لوزان جاء في لحظة إقليمية و قومية تركية بامتياز. للمرة الأولى منذ مئة عام، تدخل تركيا بقواتها إلى سوريا. وللمرة الأولى منذ مئة عام، تدخل تركيا قبل سنتين إلى بعشيقة في العراق وتتمركز هناك.

اردوغان والجيش

و اعتبر اردوغان معاهدة لوزان في العام 1923، التي رسمت معظم حدود تركيا الحالية، هزيمةً وليست نصراً لتركيا. وبان النظرة المقدسة لاتفاقية لوزان لم تعد موجودة اليوم .

الجيش التركي

 

وفي شهر ايلول الماضي لعام 2016، خرج الرئيس التركي اردوغان بأهم المواقف واكثرها خطورة ، يعلن فيها بأن تركيا وافقت فيما مضى التخلي عن ولاية الموصل؛ مقابل بقاء العراق دولة موحدة، اما اليوم وقد دخلتها الميليشيات الشيعية الايرانية والقوات الكردية بقيادة حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي؛ فإنها ستبذل كل ما بوسعها من أجل عدم تغيير التركيبة السكانية في المنطقة ، ولأن حدوث اي تغيير فيها سيكون له نتائج سلبية للغاية على تركيا.

معارك الموصل

 

وتكون تركيا بذلك قد دقت ناقوس الخطر، بحيث انها ستكون مُحاطة بهذا التيار في الداخل ومن الجنوب في سوريا. وهذا كان من أهم أسباب التدخّل العسكري التركي في سوريا.
اليوم ومع فوضى الحروب وانتشاركل انواع الاسلحة في المنطقة، وتجييش هذا العدد الهائل من الميليشيات من كل الجنسيات والطوائف والمذاهب العرقية والدينية، وبدعم دولي .. اصبحت اتفاقية لوزان بالنسبة لتركيا غير ثابته وعفى عليها الزمن وما كان يصلح بالأمس لم يعد صالحا” اليوم ، فهل ستنتظر تركيا الفرصة لتغييرها ورميها في سلة المهملات.

 

المراجع: ويكيبيديا_ الجزيرة_ ترك برس_ الاناضول_العراق الان_ BBC

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.