ترامب والعرب.. تعاطي متقلب مع شخصية مفضوحة

انتُخِب رئيس جديد للولايات المتحدة، فهل يمكن للطبقة السياسية العربية وناشطي المجتمع المدني تبني مقاربات واقعية تخرج عن مواقفها الأيديولوجية؟ هل يمكن أن نخرج من معادلة مبسطة عن مؤامرة للشركات ولوبي صهيوني كي نعفي أنفسنا من المسؤولية؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

لدى تناول أيّ حدث أو شخصية سياسية، يكون التحليل السياقي مهماً جداً لبناء مقاربات أو فهم معقول للحدث أو لسلوك الشخصية موضع الاهتمام. وما أعنيه أن ننظر إلى أيّ حدث ضمن الجوانب التي أنتجته المحلية والدولية وسواهما، وأن نفهم أيّ قرار تتّخذه شخصية سياسية من خلال جملة العوامل والمؤثرات التي قادت إلى اتخاذه.

سبب حديثي هذا هو الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي حُسِمت لصالح بايدن، فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن القسم الأكبر من الجمهور العربي يفضّل بايدن على ترامب.

عادت بي الذاكرة إلى عام ٢٠١٦ حين فاز ترامب في مفاجأة للجميع حتى لقسمٍ من الجمهوريين، وتذكّرت تقلّبات الجمهور العربي تجاه ترامب منذ قدومه وحتى هزيمته خلال فترة ٤ سنوات فقط.

في بدايات فوزه بمنصب الرئاسة كان ترامب يحظى بشيء من الشعبية الغريبة في العالم العربي، مردّها شخصية الأزعر أو القبضاي الذي يتحدث علناً ولا يكذب، مثل حديثه عن النساء كأنهنّ أدوات جنسية لكلّ أصحاب الأموال والسلطة أو توضيح مغزى علاقته بالسعودية التي تشبه علاقة مزارع ببقرة حلوب بلغة لا تخلو من إذلال علني للملك السعودي، ولكن لم يكن هناك اهتمام فعلي بسياساته الخارجية وأثرها على المنطقة والعالم من قبل الجمهور العربي، وكانت نقطة الانقلاب على ترامب في الشارع العربي هي فرضه حظراً على منح الفيزا لمواطني بعض الدول المسلمة، ومن ثم مواقفه الداعمة لإسرائيل التي تجاوزت حتى كلّ خطوط السياسة الأمريكية المتعارف عليها.

ترامب قدم مثالاً سيئاً لسواه من الرؤساء كالرئيس البرازيلي جايير بولسونار بأنه يمكنك ممارسة الوقاحة والعنصرية العلنية وستلقى دعماً شعبياً، ونتائج ذلك على المستوى الاجتماعي خطيرة، من تزايد الاستقطاب الاجتماعي، ومن تعميق كل الانقسامات العنصرية وتطبيع خطاب الكراهية.

ولكن مع ذلك فإن قسماً من الجمهور العربي وحتى سياسييه الكارهين لسياسات إيران التوسعية والطائفية اعتبروا أن مواقف ترامب تجاه إيران جيدة لأنه ألغى الاتفاق النووي وفرض عقوبات صارمة عليها، لم يلتفت معظم هؤلاء لترداد ترامب مراراً وتكراراً بأسلوبه السوقي المعتاد أن القادة الإيرانيين إن استجابوا لطلباته فستحصل إيران على أموال كثيرة. أي أن الرجل يفضّل فرض عقوبات صارمة في سبيل تعديل سلوك النظام الإيراني ولكن دون تغييره، معنى ذلك أنه وريثما يتم تعديل سلوك النظام الإيراني، ستحظى المعارضة الإيرانية بمساحة ضجيج إعلامي وكلامي، وتُمنَح دعماً يسمح لها بالاستمرار وعقد المؤتمرات فقط، وهذا الموقف يشبه موقف الاتحاد الأوربي وعلى رأسه فرنسا من نظام بشار الأسد بعد اغتيال رفيق الحريري، مع فارق أن الأوربيين يتمتعون بحصافة دبلوماسية تمنعهم من الحديث بهكذا لغة مفضوحة، وأن نظام بشار ليس نظاماً ثيوقراطياً مما يسهل مهمة تسويقه لدى الجمهور الغربي، إنه الرئيس الشاب المتعلم في الغرب وزوجته “الموديرن” الحسناء.

كما أن الفصام الأخلاقي في مواقف هذا القسم من الجمهور والسياسيين العرب ملفت للنظر، فأيام الحصار الاقتصادي على العراق، كان معظم الجمهور العربي يرى أن الولايات المتحدة تقتل الأطفال بسبب سوء التغذية وحرمانهم من الأدوية، عدا عن أن التجربة أثبتت أن هذا النوع من الأنظمة يستطيع الاستمرار في ظل الحصار ومن يتضرر هو الشعب فقط، لكن نفس هؤلاء هلّلوا لحصار اقتصادي من نفس النوع على إيران، وهو استخدام مألوف للغة حقوق الإنسان في المنطقة العربية يستبيح العدو، ويتباكى على الذات/الضحية.

لم يكن من الممكن فصل إلغاء ترامب للاتفاق النووي عن مجمل سياساته الشعبوية الهوجاء التي لا تدرس أي آثار مستقبلية على الولايات المتحدة والعالم، فالرجل خرج من اتفاقية الحد من التلوث المناخي وبتبريرات شعبوية تقول إنها معادية للمصالح الاقتصادية الأمريكية، وهي كارثة بكلّ معنى الكلمة، كما أن سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي سلكت سلوكاً أرعن استعلائياً لدى رفض عدد كبير من الدول نقل سفاراتها إلى القدس حين هددت بقطع المساعدات المالية لمن لا يوافق على قرارات الولايات المتحدة، عدا عن أن ترامب قدم مثالاً سيئاً لسواه من الرؤساء (كالرئيس البرازيلي جايير بولسونار) بأنه يمكنك ممارسة الوقاحة والعنصرية العلنية وستلقى دعماً شعبياً، ونتائج ذلك على المستوى الاجتماعي خطيرة، من تزايد الاستقطاب الاجتماعي، ومن تعميق كل الانقسامات العنصرية وتطبيع خطاب الكراهية.

على المستوى السوري استبشرت المعارضة خيراً بقدوم ترامب إلى الرئاسة لسببين أولهما لأنها تنطلق من معادلة شديدة التبسيط عن السياسة الأمريكية تقول بأن الجمهوريين يفضلون الحل العسكري دوماً وأن الديمقراطيين مسالمون مما يعني إمكانية إسقاط النظام السوري عسكرياً.

على المستوى السوري استبشرت المعارضة خيراً بقدوم ترامب إلى الرئاسة لسببين أولهما لأنها تنطلق من معادلة شديدة التبسيط عن السياسة الأمريكية تقول بأن الجمهوريين يفضلون الحل العسكري دوماً وأن الديمقراطيين مسالمون (مما يعني إمكانية إسقاط النظام السوري عسكرياً)، وأن ترامب شخصية تتسم بالشجاعة والجرأة والحزم في اتخاذ القرارات.

والسبب الثاني يعود إلى أن معظم الساسة التقليدين والفئات الشعبية في المنطقة العربية تعتقد أن مجمل السياسية الأمريكية لا تعدو مؤامرةً تقودها الشركات العملاقة والماسونية وبالتالي لا يتفهمون مثلاً أن عدم التدخل العسكري في عملية تغيير نظام بلد ما كما حدث في العراق سابقاً هو مطلب شعبي لأن الأمريكيين لا يريدون إرسال أبنائهم للقتال والموت في بلدان أخرى، فهم شربوا المقلب أكثر من مرة ولن يكون من السهل أن يشربوه قبل مرور فترة طويلة، فذاكرة حرب العراق وانكشاف التلفيق بخصوص علاقة العراق بهجمات الحادي عشر من أيلول والموتى من الجنود الأمريكيين في العراق وفضائح سجن أبو غريب أمور لم يمض عليها وقت طويل كي تُمسَح من ذاكرة المواطن الأمريكي.

ثم إن تدخل أمريكا في بلد ما تدخل فيه عدة اعتبارات وعوامل معقدة، منها طبعاً سياسة الحزب الذي يحكم وشخصية الرئيس، لكن لنتذكر مثلاً أن حرب فيتنام وهي أفظع حرب خاضتها الولايات المتحدة وأكثر حرب أثارت جدلاً أخلاقياً في الولايات المتحدة ولطّخت سمعتها إلى يومنا هذا، اتُخِذ فيها قرار التدخل الفعلي أيام الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون، وهذا ينفي ثنائية “الديمقراطيون المسالمون والجمهوريون الصقور” التبسيطية.

سرعان ما ظهر أن ترامب ليس أفضل حالاً من أوباما فيما يتعلق بالموقف من النظام السوري، فترامب أوقف حتى المساعدات التي تقدمها الخارجية الأمريكية للمعارضة السورية والكثير من المنظمات المدنية والإغاثية.

سرعان ما ظهر أن ترامب ليس أفضل حالاً من أوباما فيما يتعلق بالموقف من النظام السوري، فترامب أوقف حتى المساعدات التي تقدمها الخارجية الأمريكية للمعارضة السورية والكثير من المنظمات المدنية والإغاثية، وخلال شهر واحد بدأ العديد من المنظمات السورية والمنظمات الدولية العاملة على الشأن السوري بالإغلاق، وركز ترامب كل مجهوده على محاربة داعش، لأنها يمكن أن تشكل خطراً على الأمن القومي الأمريكي ولأن الناخب الأمريكي يدرك معنى الإرهاب الإسلامي ولكنه لا يعتبر أن بشار الأسد يشكل خطراً على الولايات المتحدة.

انتُخِب رئيس جديد للولايات المتحدة، فهل يمكن للطبقة السياسية العربية وناشطي المجتمع المدني تبني مقاربات واقعية تخرج عن مواقفها الأيديولوجية؟ هل يمكن أن نخرج من معادلة مبسطة نرددها منذ أكثر من نصف قرن عن مؤامرة للشركات ولوبي صهيوني كي نعفي أنفسنا من المسؤولية؟ أعتقد أنه في اللحظة الراهنة لا يوجد بوادر تشير إلى تغيير في هذا الاتجاه.


عمار عكاش، كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.