تراجيديا كرتونية سورية مرعبة

ليست قصص الشعوذة التقليدية، ولا رواية المرأة الشريرة ذات الكرة السحرية والتي تقطن في القلعة المهجورة، ولا مجموعة حكايات مصاصي الدماء العالمية، ولا حتى الطفل تشاكي المتوحش، أو تلك الخرافات الواردة من البيوت المسكونة بالمخلوقات العجيبة، لا هذه … ولا غيرها تستحوذ على مخيلات الأطفال في سوريا، فلا دراكولا الغاضب يخيفهم، ولا الأشباح الشريرة تلاحقهم في أحلامهم إن وجدوا ملاذاً آمناً يسكنون فيه في ليلتهم، فواقعهم الذي يعيشون فيه أشد خوفاً من كل أفلام الرعب التي تبثها مدن السينما العالمية، وما يمر أمام أعينهم يومياً وتسمعه آذانهم يكاد يفطّر قلوبهم، لا بل يقتلعها من مكانها لتجحظ أعينهم من هول المواقف.

تشاكي

استهداف مدارسهم أصبح عملاً مباحاً تنتهجه قوات الأسد مدعومة بطيران الاحتلال الروسي، فلم يعد القصف فظيعاً إلا في عيون المستهدفين ومن يلوذ بهم من المتابعين والمهتمين بالمشهد حول العالم، أما غير تلك الفئة -القريبة من الثورة- فرؤيته لمشاهد تحتوي أشلاء إخوانهم الأطفال الممزقة والمبعثرة بين كتبهم، أو متابعته لطفل يسبح في بركة من الدماء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وآخر يستخرج من تحت الأنقاض كالمومياء المحنطة، أصبح روتيناً يتابعه كل صباح مع فنجان قهوته الساخن قبل المغادرة إلى عمله.

اطفال سوريا

لتأتي بعد ذلك قصص الخطف بعد القصف، وما ينسج حولها من روايات عن تجارة الأعضاء بعد تمزيق الأوصال، أو قصص الفدية والتعذيب وقلع الأظافر، للضغط على الأهالي وإجبارهم على دفع مبالغ مالية هائلة، تجعل الأطفال في حيرة من أمرهم، وكأنهم يقفزون وحدهم من دائرة استهداف إلى أخرى، ليلاحقهم القصف والخطف من مدارسهم إلى منازلهم في لحظة يسهو عنهم وليُّ أمرهم الباحث عن رغيف خبز ليطعمهم.

طفلة سورية

تصدح كل يوم أجهزة المراصد مجهولة الهوية، لتحذر المستمعين أو تلفت انتباه الأهالي المتعبين لخطف طفل هنا أو هناك، دون أن نجد من يؤكد أو ينفي تلك القصص المرعبة، وتتبعها غرف وصفحات التواصل الاجتماعي، ويتهاداها الأحباب والخلّان بينهم على الخاص لأخذ الحذر بعناوين ( انشر وشارك… لا تدعها تقف عندك من فضلك)، وكأن الخاطف شبح، لديه غرفة عمليات متنقلة، يشرّح الجثث ويقتلع الأعضاء بهالة بوليسية مقتبسة من فلم هوليودي ساحر.

فتاة سورية

وكأن هذا الإعلام الأعمى، يريد نقش صورة سوداء قاتمة في ذاكرة أولئك الأطفال القاطنين في المناطق المحررة، وإعدادهم لمراحل قادمة.

فهذه نسخة ليلى السورية، لم يعد يُخيفها الذئب القابع في فراش جدتها المريضة، فالذئاب تراهم كل يوم محاطين بكمرات وصحفيين، تخرج عليها كل يوم لتبرّر قصفهم وتدمير مدارسهم وألعابهم بحكاية كدون كيشوت الذي يقاتل طواحين الإرهاب والتكفيريين.

افلام كرتون

وتحوّلت آلاف الفتيات السوريات الصغيرات، لنسخ مطابقة عن بائعة الكبريت، يبعن المناديل والورود في مدن النزوح واللجوء، بعد أن قتل أهلهم في ظروف لم تعد غامضة على أحد، فالمجرم يقبع في قصره، ويستضيف كل حين وكالات إعلامية غربية وشرقية بعين إعلامية وقحة، ليبرّر قصفه ونسفه لأحلامهم.

بائعة الكبريت

أما نسخة فلونة المحاصرة مع عائلتها على جزيرة بركانية كحلب الشرقية، يُقذفون بالحمم من فوهات المدافع، ويحلمُون بسفينة خضراء تقلهم إلى شاطئ بعيد لا خوف عليه ولا جوع أو قلق.
أما ساندريلا السورية فقدت قدمها مع حذائها عندما قصف منزلهم ولم يأتِ الأمير الذي سيعيد لها قدما صناعية، ونسخ أخرى كثيرة عن هايدي وسالي وماركو و ريمي حاضرة في الكثير من الفتيات بشكل هو أفظع ما شاهدته العين، وأبشع ما عرفه التاريخ، لتتحول تلك الروايات المأساوية والقصص الغريبة واللحظات المثيرة لنكتة أو حلم جميل يتمنى الطفل السوري أن يعيشه، بعد أن عايش تلك الحقبة من الإجرام، والصمت العالمي الرهيب.

افلام كرتون

خاص بالأيام|| حليم العربي

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.