تراجيديا الخلاص.. مزاج في الموت ورغبات الاندثار

كيف يمكن أن نفهم هذا الشعور المتناقض لدى البشر وبالأخص الذين يعيشون حيوات قهرية وتحت سلطات قمعيّة! هل كان تمنّي المذنب دعابة عابرة مثلاً! أم كلام دون معنى أو هدف؟! ما الذي يجعل الإنسان يُطلق تمنيات بالخلاص وعندما يأتي الخلاص يصبح مدافعاً شرساً عن وجوده؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

قبل ثلاث سنوات من الآن، شاعت في الثقافة التهكميّة على السوشيال ميديا السورية مقولة “أين المذنب!” للخلاص من بؤس ما كان يجري؛ وقد ارتفع شأن المقولة لدى البعض لتصديقها وتمنيها فعلياً. الجميع من البؤساء كانوا ينتظرون مذنباً كونياً أو رحمة إلهية تدمر هذا الكوكب بكل ما فيه من سياسيين واقتصاديين ورجال دين وشعوب، بحسب المقولة الشعبية، الإطاحة بالجميع “قشة لفة”.

كان ذلك الحل المستحيل فيزيائياً يحمل في جوهره متعة تشاركية للخلاص، شعور عميق بالمساواة بين الأثرياء والفقراء وبين المهمين اجتماعياً والمهمشين وبين العباقرة والأغبياء، الجميع كان يشعر بأنه مهم على نفس القدر من نهاية المصير بأننا فعلياً كائنات لا أهمية لها ولا قوة أمام جبروت عمل القوى الطبيعية. الموت بتلك الطريقة كان يثير مخيلة الجميع ويجعل فكرة الموت والخلاص من بؤس العالم الأرضي هيناً جداً ومتساوياً.

كان اليأس طاغياً في ذلك الوقت والجميع يريد الخلاص، لكن بعد سنوات ودون أن يأتي المذنب، انتشر في العالم فيروس كورونا وبدأ يحصد الملايين دون تمييز، القوّاد والسياسي يموتان بنفس الطريقة، البائس والسعيد، الرجل المهم والمهمّش، لا أحد خارج دائرة الخطر، وبدأ الناس يحتاطون كلياً خوفاً من الاندثار، رغم أن الفكرة تحمل من المساواة ما كانت تحمله فكرة الاندثار الكلي في استقدام المذنب، فما الذي جعل الناس يخشون الرحيل عندما أصبح بين أيديهم فعلياً؟.

أكبر مثال يمكن أن نلاحظه، أن السوري الذي يعيش في مناطق النظام حياة مذلة وجوع وعدم تأمين شيء تتجلى مهمته الأولى بالبقاء في تلك الحياة التي لا يتوفر فيها شيء، إذاً ما الذي يجعل البشر يمارسون ذلك السلوك النجاتي؟.

عندما أتى المرض الذي يمكن أن يقضى على البشر وحياتهم بسهولة ويسر ويخلصهم من الفقر والجوع والتشرد والحياة المذلّة، بدأ الناس يحتاطون ويحاولون النجاة.

بالطبع ذلك السلوك هو رد فعل طبيعي لفكرة وجود الكائن الذي تتجلى مهمته الأولى بالبقاء على قيد الحياة، إنه منطق الطبيعة، لكن بين المذنب والكورونا تجسدت هلامية وضعف التنظير الفكري للبشر بالانتهاء من هذه الحياة. حتى الأكثر دعوة للعدمية والاكتئاب وعدم فهم العالم لعقولهم أو تفوقهم الزائف على البشر؛ أو حتى أولئك الذين كانوا يريدون مساواة في الخلاص والموت عندما أصبح حاضراً، الجميع تمسّك بالحياة ولم يعد لديهم الرغبة بالانتهاء رغم معرفتهم العميقة بأن نجاتهم من مرض مميت لن يغيّر في واقعهم شيئاً عندما ينجون من محنة المرض، بل ربما يعيشون ذلاً مضاعفاً.

كيف يمكن أن نفهم هذا الشعور المتناقض لدى البشر وبالأخص الذين يعيشون حيوات قهرية وتحت سلطات قمعيّة! هل كان تمنّي المذنب دعابة عابرة مثلاً! أم كلام دون معنى أو هدف!، ما الذي يجعل الإنسان يُطلق تمنيات بالخلاص وعندما يأتي الخلاص يصبح مدافعاً شرساً عن وجوده، رغم أن وجوده لن يجعل حياته أفضل حالاً، وأكبر مثال يمكن أن نلاحظه، أن السوري الذي يعيش في مناطق النظام حياة مذلة وجوع وعدم تأمين شيء تتجلى مهمته الأولى بالبقاء في تلك الحياة التي لا يتوفر فيها شيء، إذاً ما الذي يجعل البشر يمارسون ذلك السلوك النجاتي؟.

البعض يسميه البقاء، وآخرون يسمونه “اعقل وتوكل” بحسب المنظور الإلهي الذي يدعو الإنسان للحفاظ على حياته حتى في أقصى الظروف، لكن الذي لا نستطيع فهمه بالنسبة لبعض النماذج، هم أولئك العدميون المتذمرون دائماً في نقدهم للحياة وأحاديثهم عن الموت وطرق انتحارهم لكنهم من أوائل الذين ما زالوا يعيشون على الأرض ويدافعون عن وجودهم؛ وكأنهم يطبقون مقولة “سنبقى على الأرض لا لأننا مستمتعون إنما لنثرثر ونزعج المستمتعين حقاً”.

بين الشخص التقليدي وبين المثقف العدمي وبين المتدين الساذج، الجميع يريد الانتهاء والجميع عندما جاءت النهاية أصبح يريد الحياة وما زال يتحدث عن رغبته في الانتهاء. أية شيزوفرينيا تلك يمكن زراعتها في الروح؟.

في النتيجة الموت حاضر أمامك بسهولة، فبإمكانك أن تكف عن الشكوى وتُسلِم نفسك لمرض عابر وتنتهي، أو تتخلى عن فكرة الثرثرة التي لا فائدة منها عن الموت والخلاص وتصبح إيجابياً اتجاه أن الحياة سيئة لكن يجب أن تُعاش لأنها ببساطة هكذا بُنيت تاريخياً.

عزيزي المواطن، هناك فرصة متاحة كلياً للموت بهدوء، كل ما عليك فعله هو الاختلاط بأكبر قدر من الناس وأن تترك نفسك دون علاج مناسب، ليس هناك من داعٍ للانتحار أو التذمر أو المذنب الذي تعلم أنه لن يأتي.

ليس هناك داعٍ من تقديم حجج لفكرة الانتهاء، لأنه فعلياً لا أحد مكترث؛ يمكن أن تنتهي بهدوء ودون ضجيج، ألا يكفي كل هذا الضجيج المحيط بنا!.

في النتيجة الموت حاضر أمامك بسهولة، فبإمكانك أن تكف عن الشكوى وتُسلِم نفسك لمرض عابر وتنتهي، أو تتخلى عن فكرة الثرثرة التي لا فائدة منها عن الموت والخلاص وتصبح إيجابياً اتجاه أن الحياة سيئة لكن يجب أن تُعاش لأنها ببساطة هكذا بُنيت تاريخياً.

التذمر من الحياة وتكرار أسطوانة تراجيديا الخلاص لا معنى له، إنه يقتل الحياة فقط دون أن يفعل شيئاً مهماً، فالأفضل أن يتوقف التذمر ويتم الانخراط في جوهر الحياة لتعيش خفيفاً عابراً، أو تموت ثقيلاً مثل الفكرة التي تحملها عن الحياة ووجودك الذي لا أحد مكترث له حقاً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.