تخيلات توم سوير العبقرية ضد النقد الأدبي

الحفاظ على توم سوير في داخلنا هو قيمة للحرية قبل أن تكون قيمة للدراسة النقدية أو التفاخر الثقافي الأجوف. إنه المثال الأبرز لمعنى الرفض والنضوج دون الرضوخ لثوابت العقلانية الاجتماعية.

الأيام السورية؛ خالد علوش

“انظر هنا يا هاك، لن يمنعني الثراء من أن أصبح قاطع طريق”.

بهذه الجملة أنهى مارك توين كتابه تقريباً، وأنهى توم سوير رؤيته للحياة، وبشكل أكثر عمقاً فلسفته في عصر وُصِف من قِبل النقّاد لهذا العمل الأدبي أنه تجسيد ساخر لعصر العبودية في الجنوب الأمريكي.

طوال قرن ونصف كان التعامل مع هذا الأثر الأدبي الكلاسيكي الذي أنتجه مارك توين عام 1876، بمنظور ثابت لثقافة التجربة الناشئة لشخصية توم سوير وصديقه هاك (هلكبري فن) لما يمثلانه من الحرية وبراءة الطفولة في مجتمع موسوم بالعبودية وتجربة الحياة القاسية والتمايزية؛ لكن ما يميّز هذا العمل ليست تلك النظرة النقدية التي مازالت حتى عصرنا الحالي هي القاعدة التي من خلالها يتم اعتبار هذا العمل خالداً، وهو أنه تجسيد لمرحلة في تاريخ أمريكا، بل هي بعض الأشياء الأكثر شمولية من البعد النقدي لمهمة الأدب بحسب منظور النقّاد الذين يصنّفون الأدب داخل إطار وصورة مجرّدة من مهمة معينة يجب أن يكون عليها.

توم سوير ليس عمل يمكن القياس عليه نقدياً كنمط فني أو توجّه ثقافي أو اجتماعي لأنّه في الدرجة الأولى عمل يقوم على تخيّلات الشخصية الروائية وفلسفتها ورؤيتها للحياة، وليست تخيّلات مارك توين أو فلسفته، وهذه بتصوري واحدة من أهم العلامات التي تميّز هذا العمل.

توم سوير ليس عمل يمكن القياس عليه نقدياً كنمط فني أو توجّه ثقافي أو اجتماعي لأنّه في الدرجة الأولى عمل يقوم على تخيّلات الشخصية الروائية وفلسفتها ورؤيتها للحياة، وليست تخيّلات مارك توين أو فلسفته، وهذه بتصوري واحدة من أهم العلامات التي تميّز هذا العمل.

يمكن القول وبقوة أن شخصية توم سوير، واحدة من الشخصيات المستقلة كلياً عن رؤى خالقها في التاريخ الأدبي، إنها أدب متكامل وقائم بذاته دون معنى لتصوير صراعات الحياة ونضالات الشخوص فيها من حيث تصوير النقاد للأدب أنه تجسيد لمعنى معين أو رؤية فلسفية لكاتب ما، كما يمكن أن نقول عن شخوص دويستوفسكي مثلاً، التي هي بطريقة ما معبّرة عن رؤى دويستوفسكي نفسها وفلسفته. توم سوير مستقل كلياً وهذه هي أهم ميزة من ميزات عبقريته.

يقول توم سوير: “لا أدري، لكن اللصوص دائماً ما يكون عندهم حفلات عربدة، وبالطبع يجب أن يكون عندنا نحن أيضاً، هلم يا هاك”.

توم سوير شخصية مراهقتية تحلم بالنضوج لكن على طريقتها وبطريقة ما تشابه شخصية هولدن كولفيد بطل “الحارس في حقل الشوفان لـ سالينجر” من حيث النزعة في رفض الواقع فقط، ولو أنّ هولدن أكثر تطرفاً في حلمه بصناعة عالم أكثر أخلاقية، لكن توم سوير كاذب جذّاب، ومغامر حالم، وغير مهتم أصلاً بالواقع الخارجي لأنه يريد صناعة واقعه بطريقة أكثر عبثاً وضحكاً وإسقاط جميع القوانين من منظور مراهق.

المؤلف مارك توين(بيكست)

توم شاهد على جريمة قتل، ومغامر في جزيرة ليصبح قرصان مع زملائه، ثم لص، ثم يتوه في مغارة للخفافيش مع حبيبته، واتخاذ مواقف بطولية وحميمية لدى أهله وذويه. بطريقة ما يمتلك فلسفة عميقة اتجاه الحياة لكن يتم النظر إليها بشكل كوميدي لأنّه لو تم اعتبارها حقيقة يمكن تطبيقها، فالعالم الخارجي سينهار بجميع قوانينه وتصبح الحياة ببساطتها هي القيمة الإنتاجية الوحيدة، إنها رؤية توم سوير المشاكس.

عبقرية هذه الشخصية وخلودها، في تلك التخيلات حول الشخصية الرافضة للقوانين بطريقته التعسفية الشقيّة؛ أثبت من خلال خيالاته وسلوكه الرافض هشاشة العالم الذي كان قائماً من حيث أدواته التعليمية وأساطيره وطقوسه الدينية وخرافاته.

عبقرية هذه الشخصية وخلودها هو في تلك التخيلات التي حاول سوير ممارستها في البحث على أن يكون الشخصية الرافضة للقوانين بطريقته التعسفية الشقيّة؛ حيث أثبت من خلال خيالاته وسلوكه الرافض هشاشة العالم الذي كان قائماً من حيث أدواته التعليمية وأساطيره وطقوسه الدينية وخرافاته.

مغامرات مراهقتية كشفت بطريقة غير مباشرة على هشاشة ذلك العالم القائم على تاريخ من العبودية وإذلال البشر، والمعنى العميق للرفض البشري لكل ثوابت العالم الذي نعيشه.

توم سوير تجربة شخصية خيالية تاريخية غير واقعية لكنها تمتد لليوم وللمستقبل، وتتعدى المعنى الأدبي والنقدي، إنها شخصية حيّة دائماً وأبداً في تاريخ أي شخص راهق يوماً وحلم بالاستقلال والحرية قبل أن يصبح جزءً من منظومة الترويض الثقافي.

الحفاظ على توم سوير في داخلنا هو قيمة للحرية قبل أن تكون قيمة للدراسة النقدية أو التفاخر الثقافي الأجوف. إنه المثال الأبرز لمعنى الرفض والنضوج دون الرضوخ لثوابت العقلانية الاجتماعية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.