تحليق مع الفرح المرّ في سماء واسعة

على الرغم من كون المجموعة أول عمل ينتمي بأكمله إلى قصيدة النثر بين أعمال العثمان، إلا أن مسيرته التي جرب فيها الكتابة بمختلف الأجناس الأدبية، جعلت من خوضه لهذه التجربة فرصةً للابتكار فاعتمد في نصه تقنية السهل الممتنع والسهل غير الممتنع أحياناً..

الأيام السورية؛ حسين الضاهر
حسين ضاهر

مثقلاً بلوعة وطنٍ مهشم، ساحلاً خلفه شواهد القبور وفوارغ الرصاص، وفقداً يوقظه صخب المدن الجديدة كلما هدأ؛ يشتغل الشاعر “محمد طه العثمان” مجموعته الشعرية “سماء واسعة لفرح مرّ” التي توحي أن كاتبها خرج لتوه من بين براثن الموت ليكتب وجع الأحياء.

بصورة بسيطة في تعقيدها معقدة في بساطتها، يستحضر فيها الماضي كتذكرة لجوء إلى ما هو آتٍ، قاصداً مسالك قصيدة النثر بمشية متزنة؛ ومن أقدر من النثر على إيصال غبار المعركة إلى أنوفنا المزكومة.

“خارجٌ من قبري لأكتب عن قلق الرؤى في فلواتِ البكاءين .”

وعلى الرغم من كون المجموعة أول عمل ينتمي بأكمله إلى قصيدة النثر بين أعمال العثمان، إلا أن مسيرته التي جرب فيها الكتابة بمختلف الأجناس الأدبية، جعلت من خوضه لهذه التجربة فرصةً للابتكار فاعتمد في نصه تقنية السهل الممتنع والسهل غير الممتنع أحياناً..

ما يجعلك تذهب مع العادي إلى أقصى جهات الدهشة، بجملة شعرية تميل كل الميل إلى التكثيف ورمي كل ما هو زيادة عن حاجة الفكرة، فأبصرت نصوصه النور مدكوكةً بعناية؛ عناية الخالق أو القاتل أو كلاهما معاً.

هذه هي المعادلة ببساطة /الهدم والبناء/ للوصول إلى زراعة الشعرية في تربة النثر، وقد حضرت منذ عنوان المجموعة فـ “سماء واسعة لفرح مرّ” عنوان يحمل بعدين بدلالات واضحة، كذلك في بقية نصوص المجموعة “أنا نصفُ شاعرٍ … أحيدُ عني عندما أكتب ما يريدني أن أكتبهُ.”

الوطن الحرب والحنين، الثيمات الأكثر حضوراً في المجموعة بصوت الشاعر أحياناً، وبأصوات أخرى تتخذ شكل العويل. فحال الشاعر لا يختلف عن حال باقي أبناء البلاد التي “تأكل أبناءها الطيبين بحنو” غير أنه يصر على الكتابة حتى وهي تلوكه بين أنيابها. ويظهر ذلك في قدرة العثمان على حمل الآلام والهموم الجمعية متخذاً من ذاته منصة لعبورها بلغة تصويرية تتكئ على مجازات متجددة:

” أعدو على مهلٍ
وأرسم خلفي المعنى…
كأني نحلةٌ خدرت بوخزة حلمها”..

وأحسب أن المجموعة تتمة لروايته “حربلك ” وقد تكون محاولة لتكملة ما أراد قوله هناك، لكن بلسان الشعر هذه المرة .

وبحكم تجربته الطويلة ونفسه الفريد في القصيدة العمودية، سار نثر العثمان ضمن إيقاع موسيقي داخلي واضح لم يعكر صفو الفكرة، ولم يطغ على بؤرة الإحساس. فالشعر لدى العثمان لا يرتبط بالشكل كالزهر الذي يتفتح حتى في الطرقات الإسفلتية ما إن يحس بدفء الربيع. وهو يدرك أهمية الكتابة كمتنفس وكطوق نجاة:

“أجرب أن أكتب بأبعاد عينيكِ
ولا ألتفت للوحدة .”
“أكتب عن القطا…
أكتب عن النّدى الراجف في اليدين
أكتب عن الشتاء؛ عن البكاء
ولكنّي لم ألتفت يوماً لبكائي .”

جاءت المجموعة في (82) صفحة، وهي صادرة عن دار موزاييك للدراسات والنشر في تركيا، عام 2019، وبلوحة غلاف حملت توقيع الفنان التشكيلي السوري “إبراهيم الحسون ”

من أجواء المجموعة
أفكر بالليلِ..
حين صار امتداداً لظلي..
أفكر بظلي حين تعثر بخطاي
أفكر بخطاي..
لماذا صارت ضحيةً دسمة
لجسدٍ نحيل؟
ولا أفكر بي،
لا أفكر بي
فالأشجار لا تعرف لون كآبتها!

غلاف مجموعة محمد طه العثمان(فيسبوك)

حسين الضاهر، شاعر وكاتب سوري، يقيم في تركيا.


محمد طه العثمان

*محمد طه العثمان: شاعر وناقد وناشر سوري، مقيم في تركيا؛ له العديد من الإصدارات في الشعر والنقد ورواية واحدة، وحاصل على عدد من الجوائز الهامة في الشعر والنقد.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.