تجنيد الأطفال وأدلجة الناشئة… سلاح الأنظمة الشمولية

هل خلقت أدلجة الأنظمة الشمولية حالة عداء تجاه الآخر ورفضه فكرياً ووجودياً؟ وهل ساهمت في تقسيم المجتمع إلى ثنائيات متقاتلة “مؤمن وكافر”، “تقدمي ورجعي”، “وطني وعميل”، “مؤيد ومعارض”، “يساري ويميني”؟

الأيام السورية؛ خالد المحمد

تتعدد الأمراض والعاهات المكتشفة إذا ما أعملنا مبضع الجراح في الأنظمة العربية خصوصاً، والعالمية المؤدلجة عموماً، وحتى الأحزاب ذات الفكر الشمولي أو الأصولي في هذا العالم.

ظاهرة تجنيد الناشئة والأطفال

لكن ما لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، هو ظاهرة تجنيد الناشئة والأطفال، وأدلجتهم وفقاً لفكر هذه الأنظمة والتيارات، فمنذ بداية تشكل الأحزاب في شرقنا ومنطقتنا العربية استغلت هذه الأحزاب استلامها للسلطة، وعملت على الهيمنة على وسائل برمجة وعي الجماهير (التعليم والإعلام) مسخِّرة هذه الوسائل لبرمجة عقلية الجماهير، مستغلة عاطفتهم ـ وشعوبنا عاطفية بطبعها ـ لخلق حالة من الانغلاق على الفكر الواحد للحزب الواحد، المختصر أساساً بالشخص الواحد “شخص الحاكم الملهم”.

التربية الحزبية والتقديسية

منذ نعومة أظفارنا تلقتْنا وزارة التعليم والتي أصبحت في ظل هذه الأنظمة “وزارة تربية” وخلق مفهوم التربية قبل التعليم “والمقصود هنا التربية الحزبية والتقديسية لفكر الحزب والقائد” أما التعليم ربما وصلنا في نظرة تقييمية له إلى إهماله بشكل كامل حيث ألغيت كلمة التعليم من اسم الوزارة في كثير من هذه الأنظمة واقتصرت على كلمة “تربية” فقط، والتي توجهت بكل ثقلها نحو هذا الطفل الذي كثيراً ما كان يردد شعارات عن المجتمع الاشتراكي أو العداء لجهة ما أو تيار ما وهو أساساً لا يفهم معنى هذه الشعارات ذات الكلمات الغريبة عن قاموسه اللغوي.

فكانت مصطلحات “شبيبة كذا – طلائع البعث – أشبال الخلافة – أو كتائب….” وغيرها من الاختراعات التي جندتْ عقول الأطفال قبل أجسادهم تحت رايات عقائدية أما سياسية أو دينية أو قومية، مخطط أن يكبروا تحت ظلها، مع خلق أفكار وهمية وأعداء أشبه ما تكون بطواحين دونكيشوت.

تدريب الناشئة على السلاح في شبيبة الثورة في سوريا(دار نيوز)

منطقتنا خلاقة

وكانت منطقتنا خلاقة في هذا التوجه فمن البعث والإخوان وإيران والصوفية والوهابية وداعش والأحزاب الكردية والقاعدة والقومية والشيوعية، وحتى إسرائيل التي يعتبرها البعض “واحة الديمقراطية والحرية” لا تبتعد كثيراً عن هذا النهج أيضاً، وكذلك أحزاب اليمين واليسار المتطرفين في أكثر الدول حرية وديمقراطية في العالم.

منذ الصغر خلقتْ هذه الأدلجة و”النظام القمعي للفكر” حالة عداء تجاه الآخر ورفضه فكرياً ووجودياً، وتقسيم المجتمع والوجود والفكر لنقيضين تحت صراع بقاء بين أنا والآخر، تحت ثنائيات “مؤمن وكافر”، “تقدمي ورجعي”، “وطني وعميل”، “مؤيد ومعارض”، “يساري ويميني”، وغيرها من الثنائيات التي جعلت اللاوعي والوعي يعادي الآخر ويعيش حالة إما حياة أو موت، وحالة استنفار وترصد تجاه الغير، ووصلت ربما في كثير من الحالات لعداء بين “ابن المدينة وابن الريف”.

هذه التنشئة مع تقدم السنوات وتزايد التسلط والتحشد حولت أيضاً الجيوش الوطنية إلى ميليشيات ذات ولاءات لا وطنية كثيراً ما كانت شخصية وفردية للقائد، والمثال السوري والإيراني والعراقي والليبي واليمني قريبة.

ربما كانت تجربتنا في الحالة السورية هي الأبرز والأوضح والأعمق والأكثر نتائج كارثية على تكوين المجتمع السوري وطبقاته وفكره، وتوسعها إلى نتائج تدميرية على البلد ببنيتيه التحتية والبشرية، نتيجة تربية وتنشئة البعث والتي جمعت كل ما تقدم ذكره في دولة وبيئة واحدة، جعلت من النظام الأسدي وقبله البعثي مدرسة لجميع الأنظمة الشمولية المؤدلجة والديكتاتورية ومدعوماً منها ضد أي خطر يهدد بقاءه.

مصدر أرشيف الأيام
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.