تجربتي “بين مهنتين” -عايدة المؤيد العظم

بدأت العمل قبل دخولي الجامعة، فتوظفت في شركة لا تهتم بالشهادات العلمية وإنما بالمؤهلات الشخصية، فتم قبولي فيها دون قيد أو شرط
وقد واجهتني صعوبات بسبب الجمع بين الدراسة والعمل، حيث توسعت الشركة وتنوعت نشاطاتها وزادت ساعات دوامها (خلال سنوات دراستي) ولكني نحجت والحمد لله
تخرجت فوجدت الشركة ما تزال تحتاج وجودي ومتابعتي وخبرتي، ولا يمكنها الاستغناء -ولو جزئياً- عن خدماتي، ففضلت الاستمرار في وظيفتي على تركها والالتحاق بسواها (إذ ليس من اللائق أن أتكبر على العمل الذي قبلني قديماً دون شروط لمجرد أني حملت شهادة جامعية) خصوصاً أن وظيفتي تناسب خبراتي، ويمكنني تحمل مسؤولياتها
وصرت أعتبر المشكلات المتنوعة -التي تواجهني يومياً في عملي- نوعاً من التحدي والإثارة أختبر فيها مقدرتي على الاحتمال والصبر، وأظهر فيها ما عندي من الإبداع والحكمة في مواجهة مصاعب المهنة. وكنت مقتنعة بجدوى مهنتي وسعيدة بالنتائج المشجعة التي أراها كل يوم، وتوقعت لها مستقبلاً باهراً
لكن وظيفتي تلك لم ترُقْ لصديقاتي وللناس من حولي؛ فقد رأينها لا تليق بجامعية، ولا تصلح لإنسانة مثقفة واعية، ولا تتناسب مع السهر والإرهاق اللذين تكبدتهما ريثما نلت البكالوريوس. وكن يتناوبن على إقناعي بضرورة تركها أو -على الأقل- إضافة مهنة أخرى إليها كالتدريس، فأكون قد قدمت للمجتمع عملاً ملموساً بدل إضاعة طاقاتي وقدراتي في مهنة لا تفيد شيئاً بزعمهم
كلامهم حيرني! وتساءلت عن سبب محاولتهم صرفي عن مهنتي، وقد شجعوني عليها قديماً، وزينوها لي، فرغبت فيها، ولما جاءتني الفرصة المناسبة وقعت عقدها برضا نفس، وهنأني الجميع يومها -رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً- وباركوا لي وتمنوا لي التوفيق والنجاح، فما لي أراهم اليوم وقد انقلبوا على مهنتي التي ساقوني إليها، ونقموا عليها وقللوا من شأنها؟!
وكيف يطلبون مني ترك هذه الوظيفة، بعد أن تعهدت بالالتزام بها؟ وكيف يطلبون مني إهمالها، أو الإخلال بتأدية واجباتها بإضافة وظيفة أخرى إليها؟ فوظيفتي الحالية تأخذ كل وقتي، دوامها أربع وعشرون ساعة في اليوم، ليس لها إجازة سنوية ولا أسبوعية، ولا حتى إجازة مرضية، ولا تعترف بالتفرغ الجزئي.. لكن تقوى الله تلزمني ببنود العقد الذي وقعته -قديماً- فالوفاء بالعقود من الإسلام؛ إنه “عقد الزواج” الذي وقعت عليه وتعهدت بتنفيذ بنوده مدى الحياة، ولا يمكنني أن أوقع عقداً آخر إلا بعد أن أتأكد أنه لن يخل بشروط العقد الأول.
وكيف ذلك ومهنتي واحدة في ثلاث: زوجة، وأم، وربة منزل! وطالما تعارضت هذه الوظائف الثلاث وصعب التوفيق بينها، فكيف أضيف إليها أعباء وظيفة رابعة؟! وكيف ألزم نفسي بشروط عقد آخر جديد؟
وكيف أفعل وأنا أعلم -مِن تجارب مَن حولي- أن غيابي عن البيت يعني غياب الحنان والمراقبة والتوجيه والنظام والترتيب والنظافة والأخلاق والترابط العائلي… وربما أدى هذا الغياب الطويل المتكرر إلى أخطار حقيقية… وإن هذه المخاوف هي التي سهلت علي الاختيار، فلا وظيفة ولا عمل إلا بعد الانتهاء من تربية الأولاد وتنشئتهم، والاطمئنان على دينهم وخلقهم ومستقبلهم… فكانت نتيجة المفاضلة بين المهنتين لصالح الأولاد واخترت الجلوس في البيت
اعترضت صديقاتي ورأين أن الجمع بين المهنتين ممكن، واعتبرن دفاعي قدحاً بمقدرتي على تنظيم الوقت والتخطيط الجيد…. ولكن تنظيم الوقت يتعذر في حالة وجود طفل -أو أكثر- دون سن المدرسة، وتكثر الاستثناءات والظروف الطارئة، فهم عندما يتخاصمون، أو يمرضون الواحد تلو الآخر، أو يصابون بحادثة غير متوقعة، أو يفسدون شيئاً يستغرق إصلاحه وقتاً طويلاً… هم في كل هذا لا يخضعون لنظامنا، ولا يتقبلون تخطيطنا، بل يخلّون ببرامجنا. وإن متطلباتهم وأمزجتهم وطباعهم لا تخضع هي الأخرى لنظامنا؛ فهي كثيرة ومتنوعة وغير محددة بأوقات… هذا عدا الخدمات -غير المتوقعة- وذلك عندما يتحول البيت إلى فندق ومطعم يستقبل زواراً لعدة أيام.
هذه قصتي يوم تخرجت 1985، وإن نصحيتي التي ما أزال أقدمها للأمهات: الظروف تتفاوت من فتاة إلى أخرى، فدعونا نترك الأمر مفتوحاً لكل واحدة لتتصرف حسب ظروفها وقدراتها واختصاصها، ولا تجعلن العمل فرضاً واجباً على كل متخرجة، ولكن من واجبنا جميعا تقدير واحترام المرأة التي تختار مصلحة أولادها على سواها
(مختصر لمقالة نشرت قديماً في مجلة “النور ومؤمنة”)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.