تجربة الانعزال ووهم روعة الحياة المشتركة

أيعقل أن كل تلك التنظيرات هي عبارة عن هراء أجوف، لا قيمة حقيقة لها؟ هل يعقل أن البشر كانوا واهمين لمشاعرهم في علاقاتهم المشتركة؟.

129
الأيام السورية؛ علي الأعرج

مع ترسيخ الحجر الصحي الذي قامت به أغلب دول العالم اتجاه شعوبها لمحاربة فيروس الكورونا، بدأت أتلمس بشكل شخصي بعض أشكال الامتعاض الاجتماعي المشترك، ولأكون دقيقاً، ابتدأ الأمر بشكل بسيط، من أصدقاء مقربين وبعض الشخصيات بأحاديثهم ونفورهم وخلافاتهم المنزلية، وهو ما دعاني للبحث وراء هذه الظاهرة العفوية.

فجأة كل منظريِّ الحياة المشتركة وروعتها وقيم الحب والإنسانية والعلاقات الأخلاقية والنضال الموحد وصناعة القرار المشترك وأساليب التربية وتشارك المهام في العمل الخارجي والمنزلي، جميعها بطريقة ما بدأت تنفجر بعد حالة الحجر الصحي الذي انتشر في العالم، كل تنظيرات الرومانسية والشغف انهارت خلال أيام معدودة لمجرد أنّ البشر أصبحوا قادرين على رؤية شركائهم أطول مدة ممكنة.

أيعقل أن كل تلك التنظيرات هي عبارة عن هراء أجوف، لا قيمة حقيقة لها؟ هل يعقل أن البشر كانوا واهمين لمشاعرهم في علاقاتهم المشتركة؟.

حالة الانعزال خلقت شرخاً في الوعي وإدراك الشخص أنه قد خُدع فعلياً في حياة طويلة لم يكن لينتبه إلى تفاصيلها نتيجة ضغوطات الحياة التي تقوم بعملها وتأثيرها على الدماغ والوعي واستغراق وقت هائل في الابتعاد.

ولم تكتف تلك الظاهرة أن تكون ضرب من الضجر المباشر أو الصمت حيالها من البعض، بل امتدت لتتحول إلى تسجيلات على السوشيال ميديا في تعبير صريح عن قذارة تلك الخيارات المشتركة، وجزء آخر عبّر بطريقة أو أخرى عن رغبة الخلاص والعيش بحرية مفردة بعيداً عن أي إنسان حتى وإن وصلت إلى مرحلة الانفصال النهائي عن شريك الحياة. تجربة الانعزال أثبتت وهم الخطاب الأخلاقي المشترك وعاطفيته.

يرى البعض أن المسألة هي أمر طبيعي لأنّ الإنسان بحاجة لمساحة من الحرية الفردية، وهذا صحيح قطعاً، لكن المشكلة هي بآلية تنفيذ تلك المساحة، فبالنسبة للناس تكمن حرية المساحة من خلال العمل الذي يُمضي فيه الفرد قدراً هائلاً مبتعداً عن الآخر، وهو ما يخلق حالة من الاستمرار في الحياة المشتركة، لكن هذا ليس خياراً شخصياً إنما أمر مفروض على الناس؛ بمعنى، الحياة النمطية للعمل افترضت آلية الحرية السلوكية التي لم يخترها البشر، وتم إيهامهم أن تلك المساحة هي الحيز الطبيعي لكيانك الشخصي وفرادتك لكنها ليست سوى شكل من استعباد مُجبر عليه الفرد، إنه لا يملك أي خيار آخر في الحرية الشخصية.

ينهض الفرد صباحاً يذهب إلى العمل، يعاني من أرق الخلافات الوظيفية، يعود إلى المنزل ليتعامل العقل مع شراكة الحياة أنها الملجأ الطبيعي لضغط الحياة فيستمر الإنسان بوهم السعادة المجانية دون أي إدراك لتفاهة ما تجري به حياته، وتدور عجلة الحياة إلى ما لا نهاية ودون إدراك لجوهر طبيعة الحياة المشتركة وصعوبتها. الكورونا انتشرت وبدأ الحجر الصحي وبدأ الناس ينفجرون إزاء تلك الشراكة الواهمة.

إن موضوع الانعزال والخلافات التشاركية، ناتج عن أسباب عديدة لكن أهمها، هو الإدراك المباشر لسلوك الطرف الآخر الذي لم يكن لينتبه إليه بدقة نتيجة مساحة العمل التي كان الإنسان يخوض فيها، الإحساس بالنفور من إدراك حقيقة اختياراته التي لم تكن هي كما كان يتصور، والأهم إدراك أنه لا وجود لنظرة مشتركة للحياة والقيم والمفاهيم والعادات وطرق المعيشة.

في عمليات الاختيار البشري لتأسيس حياة مشتركة، هناك حقيقة يتغاضى عنها الجميع، وهو أنّ الإنسان يرسم صورة مسبقة عما يريده من الحياة والعلاقات والهدف الذي يعيش من أجله، وبالتالي هذه الصورة ستصل لمرحلة الانفجار عندما تتصادم مع حقيقة السلوك الذي لا يوجد في الآخر فعلياً (بعد تجاوز المراحل الأولى من بداية الحياة المشتركة، التي يمكن تسميتها مجازاً بالمرحلة الإشباعية جنسياً).

ما قيل يجب على الأقل أن يجعلنا نتوقف قليلاً عند خطاباتنا الإنسانية والعاطفية الواهمة للذات، وندرك أننا غير قادرين على فهم معضلاتنا بشكل حقيقي، واستيعاب أكبر لرفض هذه المنظومة التي تفترض شكل من الحياة العملية أو التشاركية كما تريدها المؤسسة العالمية.

حالة الانعزال خلقت شرخاً في الوعي وإدراك الشخص أنه قد خُدع فعلياً في حياة طويلة لم يكن لينتبه إلى تفاصيلها نتيجة ضغوطات الحياة التي تقوم بعملها وتأثيرها على الدماغ والوعي واستغراق وقت هائل في الابتعاد.

بمعنى أبسط، البشر قد اصطدموا بحقيقة أنّ الحياة التي كانوا يتوهمونها بجميع خطاباتها العقلانية والعاطفية والتشاركية ليست سوى وهم كان غائباً عنهم نتيجة الغوص في الحياة.

بالتأكيد ما قيل ليس إدانة لهذا السلوك البشري، المفروض أصلاً على الجميع، لأنّ أغلب البشر، وبالأخص التابعين لمنظومات العالم المؤسساتي، لا يملكون خياراً آخر للاستمرار سوى التشارك، لأنّ الصورة المسبقة والهدف الذي يعيشون أغلبهم لأجله هو نشوء اجتماعي فرضته قوانين العالم المؤسساتي على الوعي الجمعي؛ لكن ما قيل يجب على الأقل أن يجعلنا نتوقف قليلاً عند خطاباتنا الإنسانية والعاطفية الواهمة للذات، وندرك أننا غير قادرين على فهم معضلاتنا بشكل حقيقي، واستيعاب أكبر لرفض هذه المنظومة التي تفترض شكل من الحياة العملية أو التشاركية كما تريدها المؤسسة العالمية، وتغيير النظرة البشرية لهذا المفهوم ليكون لنا حظوة أفضل في محاولة صناعة عالم مغاير ولو قليلاً.

صورة تعبيرية (رصيف 22)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.