تبقى فلسطين أم قضايانا.. الحدث الأخطر على إسرائيل داخلياً

تراجعت التنمية في مجتمعاتنا تحت شعار المواجهة، دُمّر الاقتصاد باسم القضية والاقتصاد المقاوم، غابت دولة المواطنة والقانون وانعدمت الحريات العامة باسم فلسطين وتحريرها، تحركت الوحدات العسكرية باتجاه القصور الرئاسية لتكرس حكم العسكر بدعوى تحرير فلسطين.

الأيام السورية؛ عمار جلو

يعطي مؤشر القبان وزن الموزون الكيلو بكيلو، إلا أنه مع وضع البيضة في كفة القبان يتضاعف المؤشر عشرات المرات ليصبح كل رقم عشرة كيلو، وهو ما تفعله القضية الفلسطينية بين قضايانا والجرح السوري بين جراحنا التي تقرحت باسم فلسطين وتحريرها.

تراجعت التنمية في مجتمعاتنا تحت شعار المواجهة، دُمّر الاقتصاد باسم القضية والاقتصاد المقاوم، غابت دولة المواطنة والقانون وانعدمت الحريات العامة باسم فلسطين وتحريرها، تحركت الوحدات العسكرية باتجاه القصور الرئاسية لتكرس حكم العسكر بدعوى تحرير فلسطين.

عجزت الحكومات المدنية عن فتح المعركة التي فتحتها الحكومات العسكرية، بمنطق عنترة والزير دون إعداد اقتصادي أو علمي تكنولوجي أو سياسي وحتى عسكري. فأنتجت هزائم أتخمت القواميس بأسمائها الفريدة. مع بلورة نظرية لا حرب بلا مصر ولا سلام بدون سوريا التي صاغها كاهن السياسة الأمريكية هنري كيسنجر في سبعينيات القرن الماضي، والتي احترامها الزعماء العرب أكثر من احترامهم لدساتير بلدانهم.

توقفت الحروب الكارثية التي خاضها الزعماء العرب، وتحولوا للعبث بالفصائل الممثلة للشعب الفلسطيني وشراء ولاءاتهم، لاستخدامها في صراعاتهم الدائمة على الزعامة العربية. مما أسهم بإضعاف منظمة التحرير وتعميق الفجوة بين مكوناتها وفتح الباب لفاعلين إقليميين لانتهاج السلوك نفسه، في استخدام بعض فصائل المقاومة الفلسطينية لحساباتهم الخاصة. ساعدهم في ذلك بعض دول المنطقة وسلبية الدول الأخرى في رعاية هذه الفصائل وتقديم الدعم السياسي والعسكري لها لمتابعة مسيرتها التحريرية، وهو ما أثر سلباً على قراراتها ومواقفها تجاه قضايا المنطقة.

ظهر ذلك جلياً في موقف حركتي حماس والجهاد الإسلامي من النظام السوري، وحركة أنصار الله اليمنية، والتي خلقت برود في العلاقة مع الداعم الإيراني الذي استطاع لاحقاً تغيير موقف الحركتين، لقاء الدعم الذي يقدمه لهما، ضمن سياسة ممنهجة لتمزيق الموقف العربي عامة وتفجير دوله داخلياً، من خلال فصائل تدور في الفلك الإيراني وتفتح المعارك لحساباته السياسية.

تحت يافطة التضامن والدعم لانتفاضة المقدسيين، أطلقت حركة حماس صواريخها باتجاه الأراضي المحتلة. تلقاها رئيس الحكومة الاسرائيلية المكلف كهبة من السماء، بعد أن كادت المحادثات بشأن ائتلاف الوحدة الوطنية أن تطيح به وتخرجه من الحكومة، بعد سنوات طويلة من الحكم.

الحكم الذي تسعى حماس للوصول إليه من خلال فتحها للمعركة، في خطوة تهدف لإضعاف الرئاسة الفلسطينية الضعيفة والمأزومة أيضاً، في الاستحقاق الانتخابي الذي أعلنت تأجيله. فحماس من خلال صواريخها تهدف لتصدر الموقف الفلسطيني قبل الانتخابات وخلالها وبعدها، في أي مفاوضات قد تنطلق ضمن مسار الحل السياسي، ورغبة حماس في فرض نفسها كشريك فيه.

المزيد للكاتب

فكل كلام في نهاية المعركة لا يطابق الكلام في بدايتها يوحي بأن صاحبه كاذب. وهذا ما ينطبق على الجانب الإسرائيلي وحكومته، التي أعلنت هدفها بإضعاف حركة حماس، وتوفير الأمن للمواطنين الإسرائيليين، من خلال شل قدرة حماس الصاروخية. وهو ما لم يحصل خلال الأيام الإحدى عشر والقصف الهمجي الإسرائيلي خلالهم. فقد أثبتت المواجهة الاخيرة تطور في المنظومة الصاروخية لدى حماس ووصولها للشمال الإسرائيلي وللعاصمة الإسرائيلية. أما مطالب حماس بحماية المسجد الأقصى والكف عن إخراج الفلسطينيين من ديارهم بالقدس الشرقية، فهو كلام لم يذكر بداية مع وقف إطلاق النار. ويتوقف صدقه من عدمه على المفاوضات الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار والوصول إلى هدنة طويلة الأجل؛ وفي حال خلو الاتفاق الذي يسعى الجانب المصري للوصول إليه، من أي تأكيد لحقوق المقدسيين في ديارهم، حرية ممارسة شعائرهم في المسجد الأقصى، حينها لن تختلف حماس عن حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن في فتح معارك بدمائنا وأموالنا لحسابات إيرانية تقطفها في فيينا أو سواها.

ولن يكون التخاذل العربي مبرراً لها للارتماء في الحضن الإيراني، فالحرة تجوع ولا تأكل بثدييها. رغم غرابة هذا التخاذل الذي وصل حد التخلي عن وسائل السياسة في حالة الضعف، بعد أن أفلست من وسائل السياسة في حالة القوة. وقد كان حرياً بالدول العربية الموقعة على اتفاقيات سلام مع إسرائيل، أن تضع هذه الاتفاقيات على طاولة الإلغاء، في حال لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على أهلنا الفلسطينيين داخل إسرائيل وخارجها. وهو سلاح يمكن أن يوقف الاعتداءات الإسرائيلية والتدخلات الإيرانية، المزاودة على الموقف العربي في القضية الفلسطينية، وكبح جماح الطرفين المتاجر والمعتدي.

لم يكن الحدث المقدسي في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح حدثاً عادياً، بعد أن انتقلت شرارته لتعم المدن المختلطة في إسرائيل. وهو مؤشر خطير يهدد الكيان الإسرائيلي من الداخل ضمن مجتمع غير متجانس. سواء فيما بين اليهود أنفسهم أو فيما بينهم وبين فلسطيني الداخل، الذين تحملوا أقسى أنواع القهر بحمل الهوية الإسرائيلية، لقاء التمسك بالأرض. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة توارثهم لقضيتهم، بعد أن ظن الكثيرون أن جيل الأبناء قد نسي قضيته واندمج بمجتمعه. وسيبقى هذا الحدث الأخطر على إسرائيل داخلياً بعد أن أظهر قبحها وعنصريتها خارجياً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.