تبادل المدن وتغيير السكان

خاص || حليم العربي – 
عروض دسمة، ومبادرات سياسية متتالية، واتفاقات فوق الطاولة وتحتها لا يعلم بها إلا من حضرها، بالتزامن مع قصف مستمر وممنهج تشنه الطائرات التي تحلق في سماء سوريا؛ للضغط على القاعدة الشعبية وجبرها بقبول التسويات السياسية والمشاريع المستوردة.
تعقد صفقات التسوية في دهاليز مظلمة، يوقعها المجاهيل برعاية دول حليفة ومؤثرة في قرار تلك الفصائل المسيطرة على الأرض، والتي تنفذ بنود الاتفاق المتشعبة بتأن، وتحت نظر ذلك الشعب المقموع دون أن يحرك ساكنا، لانه مشغول بحفظ نفسه وأهله عن أهم القضايا مثل المال والوطن.
عندما تكون النفس مهددة بالقتل تشل كل الحواس، وتخمد كل التطلعات، فلا تحليل ينفع، ولا مقال يقف في وجه الشلال البشري المندفع.
هناك يتحول الناس لذرات بشرية صغيرة، يدفعها الخوف لتتراكم بشكل طائفي، يتوزع على بقع محددة من الأرض السورية، فتستيقظ البلاد من سكرات الحرب المرعبة، لتجد نفسها مقسمة وضعيفة تفتقد لأدنى مقومات الحياة.
سمع الجميع باتفاق البلدات الأربع “كفريا والفوعة ومضايا والزبداني”. وشاهدوا أمس عبور قوافل الشيعة من الشمال إلى الجنوب، وقوافل السنة من الجنوب إلى الشمال.
رغم أن جميع الحافلات وصلت إلى وجهتها سالمة إلا أن من الصعب معرفة ما حدث خلف الكواليس! ومن هي الجهة الضعيفة في الصفقة التي تنازلت للأخرى؟
وما هي الضغوط التي مورست عليها؟
في ذات الوقت تردنا أخبار مشابهة من ريف حلب الشمالي، تردد أصوات تدعو قوات سوريا الديمقراطية للانسحاب من الشمال وتسليم البلدات للجيش الحر بغير قتال، تحت ضغوط أمريكية تركية، الرافضة للمشروع الكردي في الشمال السوري.
يرفض القائمون على اتفاق البلدات الأربع تهمة الموافقة على التهجير ، وتفريغ مناطق أهل السنة، لأن عدد من يريد الخروج هو 3500 شخص، من المقاتلين والمطلوبون للنظام، ولم يتخذوا هذا القرار بالخروج من بلدهم إلا بعدما ضاقت بهم السبل، وانعدمت سبل الحياة ووسائل الدفاع عن النفس.
وذهبوا للدفاع عن الاتفاق بما فيه من بنود كوقف إطلاق النار في البلدات المشمولة في الاتفاق، بما فيه القصف الجوي والمدفعي، وإخراج الحالات الطبية الحرجة، وإدخال الإغاثات العاجلة للمناطق المحاصرة، بالإضافة لإخراج 1500 أسير وأسيرة أثناء تنفيذ بنود الاتفاق وبعضهم من البلدات المحيطة بكفريا والفوعة، إضافة إلى إخلاء الموجودين في البلدات الأربع وجبل بلودان بريف العاصمة كذلك، ويتم ذلك على مرحلتين، حيث يخرج في الدفعة الأولى 8 آلاف من كفريا والفوعة بينهم 2000 مقاتل، ويخرج حوالي الـ3200 شخص من مضايا والزبداني وجبل بلودان إلى إدلب؛ وبعد 60 يوم من المرحلة الأولى تُنفذ المرحلة الثانية بإجلاء ما تبقى من كفريا والفوعة، بالتزامن مع ذلك يخرج حوالي الـ1000 من مخيم اليرموك إلى الشمال السوري، وأثناء تنفيذ الاتفاق يطلق النظام المجرم سراح الأسرى على دفعات، على أن يكون ثلثهم من ساكني المناطق المحررة.
تأتي تلك الصفقات بالتزامن مع التلويح بإقامة مناطق آمنة في سوريا بعد الهجوم بالغاز الكيميائي على بلدة خان شيخون، وهي المناطق التي سماها وزير خارجية أمريكا “ريكس تيلرسون”: «مناطق استقرار مؤقتة لمساعدة اللاجئين في العودة إلى ديارهم».
هذه المناطق المعقدة التي يعارض الروس إنشائها، ويسعى الأتراك لتحقيقها، والتي يصعب حمايتها وتمويلها، وستكون هذه المناطق كالكثبان الرملية المتحركة بيد الداعم والدول ذات النفوذ في المنطقة.
مما سبق يظهر كيف تطغى المصالح الدولية على العامل الإنساني، واستخدامه لتحقيق خطط مستقبلية تؤدي في النهاية للتقسيم، بعد إغلاق كل الأبواب في وجه الشعب المسكين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.