بين باء النكبة وسين النكسة ضاعت البلاد وزاد الحماس الثوري

في ذكرى هزيمة حزيران، يبقى السؤال الشعبي ماذا عن مئات طائرات العدو التي قال الراديو إنّها أسقطت؟ وماذا عن أحمد الشقيري الذي وعد برمي اليهود في البحر؟

82
الأيام السورية؛ أحمد عليّان

كانت النكبة الفلسطينية سنة 1948 تحدّياً كبيراً للدول العربية خاصةً تلك المجاورة لفلسطين، وكان اللاجئون الفلسطينيون يقطنون الخيام في بلدان عربية عدّة كإقامة مؤقتة يؤكّد محدوديتها الزمنيّة خطابات لزعماء عرب مازالوا يحرّرون فلسطين بالخطب الرّنانة.

كانت النكبة بمثابة الصفعة الأولى على وجه الكرامة العربيّة في العصر الحديث ممهدةً الطريق لصفعات وركلات جعلت الكرامة العربية ترجمةً واقعيّةً لمعنى الذّل والهوان.

وراء النكبة ما وراءها

بعد مرور تسعة عشر عاماً على النكبة أُعلنت حربٌ جديدةٌ في الخامس من حزيران سنة 1967م كانت الجماهير العربيّة تتابع مجرياتها سمعاً من الراديو الذي كان يوحّد جموع المستمعين رغم اختلاف انتماءاتهم الحزبية، وكان أوّل منصّةٍ امتطتها السلطات العربيّة تمهيداً لامتطاء شعوبها. ثلاث دولٍ عربيّةٍ خاضت بشكلٍ رئيسيّ حرباً مع إسرائيل بدعم عربي خجول، كانت النتيجة خسارةً فادحةً لهذه الدول ونصراً كاسحاً أثبتت فيه إسرائيل واقعيّة شعارها “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”، وبقي السؤال الشعبي ماذا عن مئات طائرات العدو التي قال الراديو إنّها أسقطت؟ وماذا عن أحمد الشقيري الذي وعد برمي اليهود في البحر؟

كانت النكبة بمثابة الصفعة الأولى على وجه الكرامة العربيّة في العصر الحديث ممهدةً الطريق لصفعات وركلات جعلت الكرامة العربية ترجمةً واقعيّةً لمعنى الذّل والهوان.

مضت النكبة وتلاها ما بات يعرف عربيّاً باسم النكسة، لتصبح المسافة بين باء النكبة وسين النكسة 19عاماً، كان المفروض أن تهتمَّ الدول العربيّة خلالها بتجهيز جيوشها قدر اهتمامها بالخطابات الحماسيّة والتسويفات، على الأقل كانت ستصمد أكثر في حرب لم تتجاوز الستّة أيام توسّعت إسرائيل خلالها باسطةً سيطرتها على الجولان السوري وسيناء مصر وقطاع غزّة والضّفة الغربيّة من الأردّن بما فيها القدس الشرقيّة.

بالطّبل والمزمار لا يحدث انتصار

الغضب والإحباط ولا شيء سواهما يمكن رؤيته في الشارع العربي بيوتاً وخياما، فمن أحد هذه البيوت كتب الشاعر السوري نزار قباني “هوامش على دفتر النكسة” كأنّما أراد أن يقول إنّ حزيران أصبح هوية عصرنا إلى أن يستفيقَ الحياء العربيّ من سباته ويعودَ الضمير الوطني الغائب أصلاً، كتب نزار على دفتر النكسة دموع الرّجال ووجع الأمهات وجوع الأطفال و حالة اليتم من الوطن، معرّياً القادة وموجّهاً أصابع الاتهام نحو جلالتهم، مع أمل بجيلٍ عربي ربّما يعيد للأمّة كرامتها السليبة.

في الوقت ذاته تمخّضت النكسة ليولد حنظلة على يد الرّسام الفلسطيني ناجي العلي ولادةً طبيعية في ظلّ الحروب القيصريّة، ولعل ناجي عبّر عن شعور الشارع العربي عامةً والفلسطيني خاصّةً عندما سمّى رسمه الكاريكاتوري حنظلة الذي أصبح رمزاً للتشرّد والمعاناة والخيبة، هذا الرسم عرّف عن نفسه بلغته الشعبية ” اسمي حنظلة، اسم أبوي مش ضروري، أمي اسمها نكبة، تاريخ ولادتي عام النكسة”.

أصيب الشارع العربي بخيبة أمل وعادت الأمم المتّحدة توزع الخيام للنازحين واللاجئين الجدد، كوطنٍ بديلٍ تؤكّد ديمومته خيام لاجئي النكبة.

ورغم جرأة الشعر وضربه هيبة الملوك والزعماء، ورغم حضور حنظلة اليومي في صفحات الجرائد وإفساده صباح القادة، فإنّ البندقية العربية لم توجّه إلى من ألحق بها الهزيمة بل وجّهت نحو من تجرّأ وقال أنتم السبب أيّها المقامرون بالأوطان. صحيحٌ أنّ النكسة انتهت وأنّ ذكراها تعود سنويّاً لتباغت الذاكرة العربيّة لكنَّ وقعها لم يعد فعّالاً، فثمّة ألف ألف حنظلة يهيمون على وجوههم في مخيمات هنا وهناك، ومازال التهجير من الأوطان قائماً وإن تغيّرت الأداة، ومازالت الأمم المتّحدة توزّع الخيام وكروت الإعاشة على العرب المهجّرين ولكن هذه المرّة بدبابة حكامهم لا بدبابة الاحتلال.

عار حزيران لم تتمكّن الكوميديا العسكريّة في تشرين من غسله، ولم تستطع الموشّحات الخطابيّة إعادة العفاف والعنفوان إلى وجه القائد العربي، وإذا كان القهر في فلسطين سمّي نكبة ووُسم القهر العربي بعده بالنكسة، فماذا يسمى القهر السوري لاسيّما أنّ المجرم هنا ليس إسرائيليّاً؟

صورة تعبيرية(العربي)
مصدر أرشيف الأيام
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.