بين الواقعية والانصياع

 عقاب يحيى
عقاب يحيى

على حدود الشعبوية ترتمي الواقعية مذعورة من اتهامات ثقيلة، ليست الخيانة سوى إحداها، مما يؤدي إلى اتخاذ مواقف أقرب للغوغائية، الشكلانية .

ـ وبين الواقعية والانصياع دروب تتشعّب، بعضها يقذف أصحابه بعيداً عن المبررات التي تطرح بداية، ثم تتموضع المواقف وتتقولب وفق ما يطلبه الآخر، في حين تتلوّى الواقعية بفعل عوامل متشابكة .

ـ ثوابت الثورة، أو المبادئ في الوقت التي هي أمانة ثمينة في أعناق من يحملها، أو يدّعي تمثيلها، فإنها ليست خشبية، أو قدسية بالمعنى الذي لا يسمح بالتعاطي مع وسائل التحقيق الأجدى، كي لا تدخل متحف الهزائم كما هو شأن معظم شعاراتنا ومواقفنا، ونتائج لاءاتنا على مدار التاريخ ..

ـ نعم ثورة الشعب السوري لأجل الحرية والكرامة شرعية، وأمانة، وحق، والوصول إلى تحقيقها بات شديد التعقيد نتيجة تراكب مجموعة عوامل خارجية وداخلية . وإن أردنا عدم الهروب من المسؤولية، والاتكاء على تبرير العامل الخارجي ودوره(وكان مهماً وساحقاً معظم الأحيان) لا يمكن أن نغطي دور العامل الذاتي ـ نحن ـ ونهج تعاطينا مع الأحداث والمتغيرات، وصولاً إلى الحالة الراهنة .

ـ منذ عامين نشهد تراجعاً في مواقف الدول الصديقة من أهداف الثورة، ترافق ذلك مع متغيرات على الأرض ليست لصالحها، خاصة بعد الاحتلال الروسي وممارسته الحرب المحروقة، وبروز تناقض وصراعات الفصائل العسكرية، وهشاشة بنيان عديدها، ويمكن القول أن دحرجة كانت تجري أمام السمع والبصر، وحتى في اللقاءات المباشرة مع مسؤولين عرباً وأتراكاً وأجانباً من الذين كانوا يقفون مع الثورة، وأن تجويفاص متتالياً لبيان جنيف 1، والعملية السياسية الانتقالية برمتها كان يحدث بالتتالي دون أن تقوم الهيئات المعنية بالثورة بدراسة أسباب ونتائج هذه المتغيّرات، وسبل التعاطي معها قبل أن تصبح واقعاً ضاغطاً يسجن الخيارات، أو يقلصها، ثم يجعلها أحادية وفق خيار مفروض : إما القبول بالمعروض، وإما تحمل تبعات الرفض .

 ثورة الشعب السوري لأجل الحرية والكرامة شرعية، وأمانة، وحق، والوصول إلى تحقيقها بات شديد التعقيد نتيجة تراكب مجموعة عوامل خارجية وداخلية . وإن أردنا عدم الهروب من المسؤولية، والاتكاء على تبرير العامل الخارجي ودوره(وكان مهماً وساحقاً معظم الأحيان) لا يمكن أن نغطي دور العامل الذاتي ـ نحن ـ ونهج تعاطينا مع الأحداث والمتغيرات، وصولاً إلى الحالة الراهنة .

ـ المتغيرات التي تحدثنا عنها باستمرار في المؤسسات القائمة وخارجها لم تغيّر النهج السائد فينا، والخوف يطوّق كثيرين أرادوا بحثها”خارج صندوق المألوف” لبحث سبل التعاطي معها .

ـ البعض، خاصة ممن يلبس، أو يتلبّس الحالة الشعبوية، يعتبر نفسه الوصي على الثورة وأهدافها ـ وحده ـ ويعتقد أن مزيد التشدد هو سبيله الأجدى، وفي جعبته اتهامات جاهزة ومفصّلة لإطلاقها على أية محاولة لزحزحة الجمود بشيء من مرونة تضع الأهداف في سكة التعاطي، وليس في المتاحف . ويمكن القول أن نوعاً من الاعتقال، أو الشرطي الداخلي فينا يمنع التجرؤّ على بحث التطورات بعقلية القيادة السياسية المسؤولة عن ثورة ووطن، وليس بعقلية شعبوية تخشى أي صوت يمكن أن يدين، أو يتهم، كما هو شائع في حياتنا السورية .

      كان يجب ومنذ عامين وأكثر دراسة أسباب وعوامل ونتائج تلك المتغيرات لتمكين المؤسسات القائمة من اختيار التكتيك المناسب، والإبقاء عليها حيّة وفاعلة، وجزءاً مهماً من المعادلة، وليس حالة مهددة بالشرذمة، والانقراض .

      اليوم والوقائع صادمة، لم تعد الخيارات كثيرة، والتبرير، أو الرهانات الخاسرة لا تجدي، إذ تتضح وتتموضع أسس وتفاصيل المشروع الروسي المقبول من معظم الدول الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تضع المؤسسات القائمة أمام خيارين لا ثالث لهما . إما الانصياع لهذا المشروع والانضمام إلى قافلة المؤيدين له، وإما معارضته .

وإذا كانت هوامش الخيارات ضيّقة، والضغوط كثيفة ومتعددة من الأشقاء والأصدقاء بالتعاطسي الإيجابي مع الوقائع، والمرونة في المواقف، فالمعارضة الوطنية لا تملك سوى خيار الرفض . لكن هذا الرفض يجب أن يكون فاعلاً، ومؤثراً، وبعيداً عن السلبية التي اعتدنا عليها في المواقف العربية .

ـ المعارضة للسائد يجب أن ترتكز إلى حوامل فعلية، ولو كانت بوقائع صغيرة يمكن تطويرها، وأساسها تغيير الخطاب الذي ساد طويلاً والتوجه إلى الشعب، وهيئاته وفعالياته وفق خطط متدرجة، مترابطة .

الواقعية الرافضة للانصياع تقتضي بحث وسائل العمل ليكون الموقف فعالاً . وإذا كان حال المعارضة، وفق الشروط القائمة، لا يسمح بدور مؤثر في العملية السياسية التي يريد الروس فرضها على بلادنا، فعليها أن تعمل للغد بعيداً عن الترامي بحجج الواقعية فتفقد صدقيتها، وأسباب وجودها .  

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.