بين العلمانيين والإسلاميين “2”

عقاب يحيى

العلمانيون، ومنذ بدايات الثورة كان عديدهم يشتكي من سيطرة الإسلاميين ومحاولاتهم الاستحواز على الثورة، والهيئات التي قامت، وقد عقدت عشرات اللقاءات والندوات التي كانت تطرح هذه الحالة، وكان رأيي أننا يجب أن نبحث الأسباب انطلاقاً منّا قبل وضع اللوم على الغير، ذلك أن الغير من الطبيعي أن يعمل للانتشار، وحتى الاستحواز، وأن يوظف جميع الظروف المتاحة لتحقيق ذلك، وأننا طالما لم ننقد ذاتنا ونتعرّف على إشكاليات النخبة وبعض أمراضها، وتغول الجانب الذاتي والشخصاني فيها، أو تطرف البعض وإعلان الحرب، وهي أقرب، والحال هكذا، إلى الحروب الدونكيشوتية، ناهيك عن فوضى الأفكار المتعلقة بالعلمانية وجوهرها، وموقع الأديان، عموماً، والدين الإسلامي بوجه الخصوص في تركيبة وثقافة شعبنا، وبما يستدعي صياغة فهم متطور للعلمانية منبثق من الواقع العياني، دون ذلك سنبقى ندور في التكرار، والمبادرات المقطوعة التي قد تكون نتائجها السلبية كبيرة على إيجاد إطار ما، أو تحالف قابل للفعل والحياة .

نعم المتوفر للإسلاميين لا يقارن بالتأكيد مع ظروف العلمانيين، لا من حيث وجود بيئة إيمانية عرفت نمواً ودعماً طبيعياً وقصدياً فيما يعرف ب”الصحوة الإسلامية” التي أرادت بعض الدول الغربية توظيفها ضد السوفييت والفكر اليساري، وكانت أفغانستان الذروة، والمحطة ذات الأبعاد المتشعبة، وصعود الأسلمة على قاعدة فشل، أو هزيمة المشروع النهضوي، القومي والتحرري، ثم سقوط النظام السوفييتي ووجود فراغ متسع راحت التشكيلات الإسلامية، التقليدية منها والجديدة، الوسطية والجهادية استمثاره بفعالية مدعومة من جهات عربية ودولية متعددة.

هنا يجدر أن نفتح قوس  لنشير إلى أن بعض الدعم الذي قدّم من شخصيات سورية مليئة مالياً، أو من بعض الجهات الأوربية بهدف إنهاض تيار، أو اتحاد للديمقراطيين، اصطدم بالبنية الداخلية النخبوية للرموز الديمقراطية التي تولت مسؤولية الإنجاز، والتي سرعان ما تشققت، وانقسمت، ثم فشلت في إنجاز هذا المطلب الضروري .

ناهيك عن البعد الذاتي، الانشطاري الذي ظلّ يتسابق لإنشاء ما يعتبره تشكيله المميز المنافس للآخرين، فامتلأت الساحة بعشرات التشكيلات متشابهة الأهداف، وحتى الأسماء أحياناً والمتنافسة، بل والمتصارعة فيما بينها بدل التحالف، والتعاون، والتوافق، وما عرفته المرحلة من حروب ونشر غسيل، واتهامات وتشويهات، في حين ظلّ الإسلاميون ، على العموم، أقل تمزقاً، وتضامناً في معالجة خلافاتهم وصراعاتهم ولو بشكل سري، باستثناء اقتتال الفصائل الإسلاموية فيما بينها وآثاره عليهم، وعلى سمعة الثورة.

عدا عن توفر عامل حيوي جداً يتمثل في وجود دعم مالي تراكم عبر العقود أثمر في إنشاء عديد الجمعيات الخيرية والمؤسسات التابعة لأحزاب وتنظيمات إسلامية، ووجود قوى ودول مليئة لم تبخل بتقديم أشكال مختلفة من تقديم تمويل معتبر، كان يسهم في تنفيذ المهام، وتوفير قدرات مهمة لبناء شبكات اجتماعية تمثل خزّاناً كبيراً لكسب المؤيدين والأنصار، في حين أن الديمقراطيين، بشتى توجهاتهم، عانوا الحصار، والقلة، وضعف الإمكانات، وعدم وجود جهات داعمة بشكل مستقر، و دائم، ولا من حيث توفر مساحات مهمة، شبه شرعية لبثّ الأفكار، واللقاء، وحتى التنظيم، فموقع المساجد للدعوة وكسب المؤيدين بطرق تبدو وكأنها شرعية ولا تثير السلطات الاستبدادية شيء مهم وحيوي.

البعض، وعبر هذا الواقع، راهن على إمكانية نجاح التحالف، أو التعاون مع أحزاب وقوى إسلامية فشارك في الهيئات التي قامت، والتي كان المجلس الوطني أبرزها، ثم الائتلاف . ورغم أن الأعداد التي احتلت الواجهات، وشاشات التلفزة، ووسائل الإعلام كانت كبيرة نسبياً، ومن شخصيات لها وزنها في تاريخ المعارضة، والثورة، إلا أنها غالباً لم تكن صاحبة القرار، حتى لو كانت في موقعه، وبعضها أقام تحالفات مع إسلاميين ضد ديمقراطيين، وتشدد تأييداً في عدد من المواقف، كالموقف من النصرة، بما يفوق تعاطف الإسلاميين، وقد استغل ذلك في التعمية على الحقائق، وفي التأخر الكبير لإعلان موقف من النصرة والتنظيمات الإرهابية، وأثر ذلك على الجميع، خاصة الائتلاف .

وثائق متقدمة لتحديد الرؤى السياسية للأحزاب الإسلامية:

بعض الأحزاب الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، أصدرت وثائق متقدمة لتحديد رؤاها السياسية، ومواقفها من الديمقراطية والتعددية، وحتى الدولة المدنية، وكانت ” وثيقة العهد” الصادرة عن جماعة الإخوان / 2012/ متطورة حتى على وثائق عدد من التنظيمات المصنفة ضمن القوى الديمقراطية، لكن ثمة اعتبارات وتقديرات كانت تضعف مصداقية، وتأثير تلك الوثائق، ومنها :

  1. ضعف تمثل وتجسيد مضمون تلك الوثائق في البنية التنظيمية، حيث استمر الذهن التقليدي هو البارز، ولم تظهر ممارسات بمستوى الأفكار التي جاءت عليها. والبعض، من أوساط قيادية، ظلّ متمسكاً بمواقفه التي غالباً ما تظهر في المنعطفات المهمة .
  2. لم تصدر مواقف محددة من فكرة” الحاكمية لله” التي كان رائدها سيد قطب الذي يعتبر عند قطاع واسع من الجماعة أنه من أهم الآباء الروحيين لهم، وبالتالي الإعلان عن موقف صريح من الدولة الإسلامية كهدف ومرجعية.. فظل هذا الإشكال المغلف بكثير من الضبابية والغموض مثار تشكيك، وتساؤل .. بينما قلة قليلة من الإسلاميين من تجرّأ وأعلن معارضته لفكرة الدولة ـ الخلافة ـ الإمارة ـ النظام الإسلامي كهدف رئيس يجب الوصول إليه في زمن ما ..وتوسط وسائل معينة على طريقه .
  3. في المواقف من انتشار ظاهرة الأسلمة، خاصة المسلحة، والمتشددة منها على وجه الخصوص، ورفع رايات وأسماء إسلامية واضحة، مقرونة بممارسات عديد الفصائل لسلوك يتنافى وأهداف الثورة، وجوهرها.. لم تعلن الأحزاب الإسلامية، واولها جماعة الإخوان المسلمين، رأيها الصريح، ومخاطر تلك الظاهرة على الثورة، وحواضنها الشعبية، وتأثيرها السلبي في الرأي العام العربي والعالمي، وكان الموقف المتأخر جداً من النصرة، وأسمائها اللاحقة مؤشراً.

هذه المعطيات تجعل عديد الديمقراطيين، وعلى رأسهم المتحمسين للتحالف مع القوى الإسلامية المعتدلة، يبدون تشكيكهم، وتخوفهم من وجود سياسات وتكتيكات باطنية مخالفة للظاهر، والمعلن، وبما أسهم، ويسهم في ضعف تلك التحالفات، وفي انفكاكات حصلت، وصولاَ لأحكام عامة وقطعية حول جدوى العمل المشترك، والتحالفات .

إن مرحلة جديدة تتموضع منذ هزيمة حلب، تؤكد نهاية تلك الظاهرة الإسلاموية الطاغية وتشير إلى ضرورة العودة إلى أصول الثورة، وأهدافها التي لخصتها، وكانت المبرر الرئيس لمشاركة قطاعات شعبية واسعة فيها، من مختلف المشارب والمكونات .

معظم الإسلاميين يدركون اليوم الآثار السلبية التي لحقت بالثورة، وتضحيات الشعب السوري نتيجة طغيان ذلك الغلو، وما فعله في عموم الميادين، لكن الإقرار به ليس بالأمر الهيّن . إنه يحتاج الشجاعة للمراجعة والاعتراف، والتغيير الشامل، والتمسك بسرّ انطلاق الثورة : الحرية والكرامة والعدالة، وليس أي شيء آخر بمرجعية محددة.

بالوقت نفسه أمام الديمقراطيين فرصاً كبيرة لالتقاط اللحظة التاريخية، والإسهام الفاعل في إعادة الثورة إلى روحها السلمية، الشعبية، وبناء أطر مدنية، وتحالفات قائمة على هذا الأساس، ومراجعة الخطاب الذي فرضته تلك الوقائع باتجاه خطاب يتجه إلى جميع فئات ومكونات الشعب السوري .

لقراءة المقال السابق إضغط هنا:

بين العلمانيين والإسلاميين “1”

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.