بين الانتقاد الموضوعي والتمجيد الإنشائي.. هل اعتاد السوريون على التهليل والتقديس

وكأننا لم ننسلخ بعد عن ماهية الأنساق السورية التي كانت خاضعة للاستبداد وما أفرزته من تشوهات تبرز في ممارستنا بشكل مباغت لا شعورياً.

150
الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

اعتاد السوريون على مدار عقود من الزمن على طقوس التهليل المبالغ به في المناسبات الوطنية أو في الاحتفالات بمنجزات المؤسسات الديكتاتورية التي تحكم البلد.

كان بالإمكان، وفي كل مكان، أن تلمس تجليات ذاك التقديس الرسمي. في المؤسسات والمدارس والجامعات والساحات، وفي ما تخطه أقلام الصحف والمجلات من خطابات ومقالات تقديسية.

ولعل ذلك يعود إلى الحقبة الزمنية التي كان فيها تقديم طقوس الولاء لسلطة استبدادية هو فرض عين على كل مواطن في دولة تمنحك حق الحياة والانتفاع قياساً لولائك لشخوصها ومناسباتها.

اليوم؛ بعد أن استطعنا كسر طوق الاستكانة لهذه السلطة التي كانت تقيدنا، لم نجد أنفسنا أحراراً من سلطة التهليل والتقديس والانسياق وراءها وإن كان ذلك يتجسد لا شعورياً.

ما زلنا نعاني من ذات الإشكالية في تقديسنا لنماذج سلطوية برزت من جديد في الاتجاه المعارض للنظام، فكان ولاؤنا لها مطابقاً لولاء الشعب للنظام سابقاً.

ففي شهر أذار/ مارس الفائت، الكثير مما كُتب عن الذكرى السنوية للثورة السورية، والتي نشرتها مواقع وصحف تصنّف نفسها على أنها “إعلام معارض” أو “إعلام ثوري” (مع عدم دقة هذه التسميات، وابتعادها عن المهنية)؛ الكثير من هذه المواد امتلأت بالعبارات التمجيدية والإنشائية، حتى بدت وكأنها مشغولة على سجع واحد غير مغاير لما كان عليه وضع الكتابة في تلك المناسبات ضمن حقبة الخضوع.

وكأن كتاب هذه المواد باتوا مبرمجين لا إرادياً على صياغة المديح الإنشائي والعبارات الرنانة كلما كان الحديث مقترناً بالمناسبات الوطنية.

وكأننا لم ننسلخ بعد عن ماهية الأنساق السورية التي كانت خاضعة للاستبداد وما أفرزته من تشوهات تبرز في ممارستنا بشكل مباغت لا شعورياً.

هل تذكرون الهتاف العفوي الذي شاع في بدايات الثورة السورية، وربما كان هذا الشعار يلخص المطلب الأهم للشعب السوري في ذلك الوقت. هتافٌ كانت حناجر المتظاهرين تصدح به “ما في للأبد ما في للأبد عاشت سوريا ويسقط الأسد”.

يكفي أن نتأمل هذا الهتاف، بما ينطوي عليه من تقديم نفي الأبد على سقوط الأسد، لتلمس إدراكاً معرفياً مهماً لإشكالية السوريين التي تتجسد بنهج سلوكي يتبلور بمغزى التقديس وصفة الأبدية التي تطال الشخوص والأنظمة، فتقديم هذا المطلب على الرغبة بسقوط الأسد، يعود إلى إدراكنا بأن الأسد قد سقط مع الهتاف الأول حين انتفضت سوريا. غير أن إشكالية، كيف لنا أن نسقط وعي التقديس، تبقى قائمة، ولا سيما أن ذلك لا يندرج في الوعي السياسي فحسب، بل يتعداه إلى الثقافي والاجتماعي، فالبحث عن التجديد المناهض للقديم، أو التشكيك بصلاحية القيم والسلوكيات هو ضرب من الكفر السوري.

ما زلنا نعاني من ذات الإشكالية في تقديسنا لنماذج سلطوية برزت من جديد في الاتجاه المعارض للنظام، فكان ولاؤنا لها مطابقاً لولاء الشعب للنظام سابقاً.

هل يحق لي أن أزعم بأن صرح الثورة بدأ يتداعى تحت وطأة الحرب الدموية التي ابتلعت معظم أسس الثورة. والكثيرون من المؤمنين بجدواها تراجعوا إلى الصفوف الخلفية، حين احتل التشرذم المعارض الساحة السورية.

لنرمم ثغرات مبادئنا المتباينة ما بين الوعي والممارسة عبر غربلة صفات الأبدية التي منحناها لأيقونات سلطوية جديدة. لعلنا نصل يوماً ما إلى ضفة الحرية المشتهاة.

مع تعدد زعامات الميليشيات المسلحة وتغاير أهدافها، فضلاً عن اختلاف الولاءات التقديسية لها أو التكفيرية بها، وغلبة الرؤية الدموية لمستقبل البلاد، واستحالة الخروج من هذا النفق الدموي. نقف اليوم حائرين كيف لنا نتحدث عن ذكرى الثورة السورية التي لم يبقَ منها سوى الاسم.

لابدّ لنا الآن من العودة إلى أرشيف الثورة بما يتضمنه من مظاهرات ولافتات وهتافات، على أن لا تكون تلك العودة تجسيداً للندب على الأطلال، ولا حتى تقديس ما فعلناه. علينا أن نعيد قراءة الواقع في هذا اليوم بالتحديد، أن نعترف بأخطائنا قبل مطالبنا، أن نحدد أولوياتنا.

فلم نكن نسعى بهتافنا “عاشت سوريا” إلى هذا الخراب الذي ينهش أركانها. وكذلك حال هتاف ” ما في للأبد ” الذي كان يجسد حلم السوريين بتعددية ديموقراطية تسقط فعل التقديس، ذاك الحلم الذي يزعم البعض أنه سُرِق، والبعض الآخر يذهب إلى أنه مات. ولن نكون أكثر تفاؤلاً منهم. سنكتفي بالقول إن الحلم قد دخل في سبات طويل فرضته علينا دموية الحرب التي ما عاد إيقافها اليوم في متناول أيدينا.

لذا لنرمم ثغرات مبادئنا المتباينة مابين الوعي والممارسة عبر غربلة صفات الأبدية التي منحناها لأيقونات سلطوية جديدة. لعلنا نصل يوماً ما إلى ضفة الحرية المشتهاة. وإن لم نصل يكفينا أن نضع اللبنة الأولى للأجيال القادمة لعلهم يتداركون أخطاءنا يوماً ما فيعيدوا لثورة الكرامة نهجها الحرّ من جديد.

إقرأ المزيد:

فصل الدين عن الدولة بداية الطريق نحو الدولة الحديثة.

مطلقة وأم في السادسة عشر من عمرها.. والدي باعني وزوجي اغتصبني.

التعصّب.. كيف باسم محاربته يتم تأجيجه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.