بين الأعراف والأخلاق والاعتقاد -د. سماح هدايا

الأعراف والأخلاق والاعتقاد.
مفاهيم لم تعد ملائمة للحياة والنهضة , ويجب حذفها مهما بلغ الأمر من صعوبة:
المرأة عورة……المرأة فتنة للخطيئة…المرأة متاع للمتعة وشيطان يغوي…
والسؤال: هل الجسد هو عدو المرأة أو عدوها جهلها وذلها وضعفها واستهتارها؟
هل يمكن محاربة الشيطان بمجرد الاختباء في الملابس والشعائر والاحتماء بقوقعة الزي؟ أو محاربته بالفضيلة والحكمة والعقل؟
الزمن كأنه تجمّد هناك في عصور بلت…لكننا في عصر حديث..فكيف يمكن أن ننسخ في حاضرنا يوميات القرون البعيدة… ؟. وبالمقابل فإن من يريد نسف التاريخ كله وتحقيره لأنه قديم ؛ فهو يعتدي على الوجدان ويحاول نزع الذاكرة الموروثة.
تفكيك المنظومة الفكرية السائدة، وتهدميها أو تقديسها، قد أجلب الفوضى وتنطحت أفكار مسبقة راسخة ضحلة لقتال القيم، أو لترسيخها من دون بصيرة ونظر. صراعات كثيرة يخوض فيها السوريون ضد بعضهم وضد تاريخهم وذاتهم. ومثلما كان الخطاب قبل الثورة يهدر جهده في جدل وصراع حول قضايا جزئية من الموروث الديني ، بقراءات متطرفة يسارية أو يمينيّة، لسياقات مجتزأة، وخصوصا فيما يتعلق بحرية المرأة، وبالتحديد الحريّة الجسديّة وموضوع اللباس والحجاب ومفاهيم الحشمة والسترة، استمر، أيضا، بعد الثورة ، منفلتا من كل الضوابط ومن أبجديات احترام الذات والآخر. متجاهلا جوهر الأمر وهو ظلامية الجهل والاستبداد.
كأنّ المفاهيم الدينية وأمن الأوطان مهدّدة بشيطان اسمه امرأة ترتدي روحه ليغري ويفتن ويفسد. إصرار شديد على تمجيد الأعراف البالية التي تؤطّر المرأة في صورة إثارة قابلة للاستغلال والإفساد والشيطنة… وذلك ليس محور خطاب ديني فقط، بل صلب المخيلة الثقافية التي تتشكل فيها المرأة كشيء مسلوب الإرادة بين قبضتي الكبت والانفلات. ونتيجة للتربية، قبلت المرأة هذه الصورة، فوقفت عند حدود أنوثتها الجسدية وأغفلت إرادتها الحرة وتنمية مستويات أخرى يمكن أن تقويها وتطلق طاقاتها وتحررها من كونها مجرد شيء ثمين للتمتّع، يجب ستر إغرائه ومفاتنه؛ أو عرضه وإطلاق طاقاته بشكل جامح للسيطرة والاستهلاك. وعليه فتأسس جدل اللباس والحجاب ودار الصراع والتخاطب التحقيري بين طرفين: أنصار فرض الحجاب و أنصار رفض الحجاب؛ كأنّ وجدان المرأة ودينها و قيمتها وحداثتها انزوى في موضوع الحجاب، لا في منظومة القيم والأخلاق، وحق والحرية وفرض المسؤولية.
التحرر ليس منافيا للفضيلة، وليس رديفا للرذيلة. والوقار ليس الكبت وتعنيف الذات والآخر…حرية المرأة، لا تعني المجون ولا توظيف الجنس لغايات رخيصة. المفروض في القيم الدينيّة أنها للحرية قيم أخلاقية لصالح الإنسان، ولتعزيز معاني الصدق والوفاء والإباء والفداء والسخاء والشجاعة والعزّة والكرامة… وليس لتأطير الإنسان في ثوب واحد وقالب جامد. ليس هذا تفسيرا دينيا أو موقفا لكنّه نقد جريء للحجاب كقضية إشكاليّة نتخاصم عليها ونتقاتل.. ونهاجم المحجبات أو السافرات لمجرد اللباس؛ بدل محاربة الاستبداد والظلم وتحرير عقولنا وقلوبنا طلبا للمعرفة والحق والعدل والإخاء.
كثير العلمانية ترفض الحجاب وتناهضه، وكثير الحركات الإسلامية والمتاسلمة، تركز على الحجاب والشعائر.. التطرف في الحالتين مفروض، ويناقض الحرية ويسلب الإرادة. الأحكام بحاجة إلى إعادة نظر. كل الأعراف والتقاليد في أي أيديولوجيا وليدة عصرها، جاءت لتنظيم المجتمع، لكنها بحاجة للتطوير مع مرور الزمن. فرق كبير بين حق المرأة في اختيار الحجاب أو السفور، وبين فرضهما بقوة السلطة الدينية والسياسية والاجتماعيّة وتسييس الموضوع.
ليس في الحجاب مشكلة…فهو زيّ وشعار شكلي؛ لن يؤخّرنا ولن يقدمنا. المهم ما يجعلنا ننهض من الرماد شجعانا منتصرين.. نزع الحجاب او ارتداؤه موقف شخصي. ليس بالتأكيد مدلولا أخلاقيا وإنسانيا عقائديا، مالم يكن القلب والعقل والإرادة وراء هذا، وإن لم يكن مصحوبا بحرية الاختيار واحترام كرامة الآخر وخياره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.