بيانات الحكومة وتعهداتها ليست حبرا على ورق

كان علينا تسويق المفهوم من خلال الفيلم وشرح مضمونه الذي يعني أن نتحدث بمسؤولية عندما نكون بموقع المسؤولية، لا أن نبيع كلام في الهواء، عندما نوجه نقد، ندعم ما نقول بالدليل، وعندما نرفض فكرة أو رأي أو أداء ما، علينا أن نقدم البديل.

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

أشارك منذ مجيئي إلى ألمانيا بأنشطة مجتمعية وثقافية مختلفة ضمن فعاليات التبادل الثقافي في المنطقة التي أسكن فيها. إحدى تلك الفعاليات كان تنفيذ فيلم قصير حول مفهوم “Mündiger Bürger وهو مصطلح معروف للكبير والصغير؛ لكن مدرب التنمية البشرية لاقى صعوبة في شرح معنى المصطلح، فالترجمة الحرفية لا تعطي المعنى، بالطبع لا يمكن وضع سيناريو الفيلم ولا إنجازه قبل معرفة الموضوع الذي سنعمل عليه. فعلاً كانت مشكلة للمدرب وللأجانب المشاركين.

لكن ماذا يعني “موندغير بورغر”؟! عرفنا أخيراً أنها “الكلمة المسؤولة” بمعنى يحق لأي شخص مواطن أو مقيم بأي صفة كانت أن يعبر عن رأيه، أن ينتقد، أن يقول ما يشاء، وأن يتحمل مسؤولية ذلك.

أتوقع أي شخص منا يسمع هذه العبارة سوف ينصرف تفكيره متلي إلى “محاسبة الفرد على كلامه” يعني جرجرته على الأمن والتحقيق معه وما إلى ذلك. حينها أردت الاستيضاح وسألت “هل تعني ذلك” (من يتحدث ويعبر عن رأيه، سوف يتعرض لمساءلة وإساءة، فصل من العمل، طرد…إلخ) هذه المرة صدم مدير الجلسة، صمت برهة ولسان حاله يقول، كم أنتم تعساء.

بالطبع باتوا يعرفون بأننا لا نستخدم هذا التعبير بل ليس لدينا تركيب لغوي مرادف. وبعد إنجاز الفيلم، كان علينا تسويق المفهوم من خلال الفيلم وشرح مضمونه الذي يعني أن نتحدث بمسؤولية عندما نكون بموقع المسؤولية، لا أن نبيع كلام في الهواء، عندما نوجه نقد، ندعم ما نقول بالدليل، وعندما نرفض فكرة أو رأي أو أداء ما، علينا أن نقدم البديل.

بالطبع كل شخص بموقع مسؤولية في المكان الذي يشغله، سواء كان وزير أو عضو في البرلمان أو مدرس وحتى الأب والأم والأولاد داخل الأسرة، هو مبدأ حياة.

تذكرت هذا الموقف وأنا أقرأ خبر مفاده أن المحكمة الإدارية العليا في فرنسا أمهلت يوم أمس الخميس الحكومة ثلاثة أشهر لتقديم تبرير لتحركاتها على صعيد مكافحة انبعاثات الغازات الدفيئة، في قرار اعتبره دعاة حماية البيئة “تاريخيا”. واتخذت أعلى هيئة قضائية إدارية فرنسية قرارها هذا بناءاً على تلقيها شكوى في يناير/كانون الثاني 2019 من رئيس بلدية منطقة غراند-سينت آنذاك داميان كاريم، معتبراً أن منطقته الواقعة على ساحل شمال فرنسا مهددة بالغرق نتيجة “تقاعس” الحكومة على الصعيد البيئي.

وهي أول قضية تتعلق بالمناخ ترفع إلى مجلس الدولة، الذي لم يبت بعد في الدعوى، لكن أمهل الدولة ثلاثة أشهر لتقديم تبرير لتحركاتها الرامية إلى الوفاء بتعهداتها على صعيد مكافحة انبعاثات الغازات المسببة للاحترار. مستنداً إلى تعهد الدولة بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 40% قياساً بعام 1990، وذلك ضمن مساعيها لتنفيذ اتفاق باريس 2015 حول المناخ. لكنها لم تنفذ برامجها التي تضمنتها خططها، مما دفعها إلى خفض أهدافها.

وأشار مجلس الدولة إلى أن هذا “الإرجاء لقسم من مجهود خفض الانبعاثات الواجب تحقيقه”، يتطلب التبرير و”الانسجام مع مسار خفض غازات الدفيئة” من أجل تحقيق هدفها عام 2030.

وعلقت محامية منطقة غراند-سينت “كورين لوباج” مشيدة بـ”قرار يبدو لي تاريخيا”، مضيفة “إن مجلس الدولة شدد على أن الدولة عليها التزامات، ليس على صعيد الوسائل، بل على صعيد النتائج” ما يعني أن “السياسات يجب ألا تكون مجرد تعهدات جميلة على الورق”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.