بوح النّدم – أحمد يوسف

“ما عشت حياتي يا ابني” هكذا اخذ جدي يقول لي وهو يمسك بيدي بعدما ان سمع خالتي زوجة عمي تقول:” ختيار عاش عمره”. لم يعد جسم جدي يقبل الاكل فما ان يأكل شيئا حتى يتقيأه. ولم تتوقف خالتي عن تحسس قدميه شامتة بدنو اجله. كلما انفضت الناس من حوله كان يمسك هو بيدي ليفيض بوحا ندميا يسرد فيه خطايا شبابه بعدما ان استعجل احتضاره طلب الصفح والمغفرة. لم يكن جدي يترك يدي إلا حينما يمسح دموعه. اخذ في بوحه يسرد لي قصة سارة التي احبها في مطلع شبابه وخذلها بعد وعود بالزواج لتدعو هي عليه لله بأن لا يسامحه. وماتت سارة عازبة في سن صباها كمن اراد ان يثأر من خذلانه بالموت دونما وداع او مغفرة. وكانت سارة وفق وصف جدي امرأة شقراء بعينين زرقاوين وبشامة على خدها الايسر وبفم صغير وبوجه يفيض بشاشة ووداعة. ولم يستطع جدي نسيانها ولا تناسيها اذ واظب على زيارة قبرها وإعادة ترتيب حجارته على الرغم من بعد قريتها وعلى الرغم من مشقة المسير وتعب الحج الوفائي لعجوز تجاوز سن المائة من عمره. ولم ينس جدي اشعاره التي قالها لها وفيها ولم ينس ابتسامتها واحمرار وجنتيها حين الخجل ولا صوتها الكراوني وهي تغني. وتحول جدي في رقوده الاحتضاري في فرشة لا يستطيع ان يغادرها الى ذاكرة تستحضر الماضي الجميل وعذابات الندم. وبينما كانت الناس مهمومة بموته الوشيك كان هو غارقا بعذابات الذنب والإدانة بسبب وعد حبي لم يف به. لم يغتصب جدي امرأة في حياته لا باسم الدين ولا باسم الطائفة ولم يسرق جرة غاز ولم يلق برميل بارود على اناس ابرياء ولم يشرعن القتل باسم الوطن والوطنية ولم يسرق اموال اليتامى باسم ثورة ولم يعتد على احد في حياته كلها ومع هذا كان الندم يأكله اكلا في بوح آثامه ممسكا بيدي. وكان كلما استفاق من غيبوباته المرضية يمسك بيد جدتي كغريق يمسك بقشة خلاصه ويقول:” سامحيني يا عليا”. يا الهي ما اصعب الموت على ندم وما اصعب العيش رهن الذنب والادانة!. كم اتذكر جدي وبوحه الاثمي كلما فقت على ندم ابحث عن يد امسك بها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.