بوتين إذْ يُدفَعُ ليغرَقَ في تفاصيلِ المستنقع السوريّ

خاص بالأيام|| بقلم: د. محمد عادل شوك – محمد-عادل-شوك3

يذهبُ العديد من المراقبين إلى أنّه حتى إيران، قد أضحت تجهد لإغراق الرئيس الروسي ( بوتين ) في تفاصيل المستنقع السوريّ إلى شحمة أذنيه، و لاسيّما بعد معركة حلب التي أربكت حلفاء الأسد جميعًا؛ فبانَ عجزُ ميليشيات طهران عن الإمساك بالأرض، و عبثُ الغطاء الجويّ الذي وفّرتْه لهم روسيا على مدار الساعة.

فقامت في سابقة لم تحصل منذ العام 1941م، بفتح منشآتها بوجه القوات الروسية، فحطت عددٌ من قاذفاتها الاستراتيجية في قاعدة همدان الجوية، تمهيدًا لقصف مواقع في سورية، تقع معظمها في مناطق تسيطر عليها فصائل الثورة الموسومة بالاعتدال؛ على الرغم من أنّ كثيرًا من المُخططين العسكريين يقلِّلون من تأثيرها على سير المعارك هناك، و خصوصًا في منطقة حلب، المستعصية على خطط موسكو وطهران.

لقد كانت ردود الأطراف الدولية، تجاه هذه الخطوة من الرئيس بوتين دون المتوقع، فواشنطن التي أكّدت علمها المسبق بالخطوة الروسية، لم يفاجئها سوى (التوقيت).

و بالطبع لن تختلف الصورةُ كثيرًا في دول الإقليم الأخرى، ذات الصلة بالملف السوريّ، فإسرائيل هي الأخرى على دراية و علم مسبقين بذلك؛ و إلَّا لكانت راداراتها ستعتبر هذه القاذفات ( المجهولة )، المنطلقة من إيران باتجاه سورية عبر العراق، تهديدًا مباشرًا لأمنها، و لأُطلِقتْ صافراتُ الإنذار في مدنها.

و غير بعيد أن تكون دول كالكويت، و السعودية، و الأردن، فضلاً على العراق، هي الأخرى على علم مسبق بذلك؛ كون هذه القاذفات ستمرّ بالقرب من حدودها مع العراق، التي لم تتردّد في منحها الأذن بالعبور في أجوائها؛ تحت ذريعة قصف مقارّ داعش في سورية.

صحيح أن هناك مصالح كبيرة مشتركة بدأت تتبلور بين موسكو وطهران بعد رفع العقوبات الدولية عن الأخيرة، لكنها لا تبرر وحدها هذه الخطوة منها، التي فيها خرقٌ طوعيّ واضح للسيادة الوطنية ـ ولو كان موقتًا ـ لولا أنّ الإيرانيين باتوا يستشعرون خطرًا وشيكًا يتهدد ما يعتبرونه ( معركة المصير ) في حلب، التي ستستهدفها هذه القاذفات بشكل خاص.

لقد تلقّت القوات الإيرانية، من حرس ثوري، وميليشيات شيعية متعددة الجنسية، صفعةً قوية في حلب قبل نحو أسبوعين، عندما نجحت فصائل الثورة في فك الحصار عن شرق المدينة، و أعلنوا أنّهم سيواصلون هجماتهم في مناطق أخرى منها متوعدين بتحريرها بالكامل.

الأمر الذي جعل القيادة الإيرانية لمعركة حلب، تواجه صعوبات تدفعها إلى الاستعانة أكثرَ فأكثرَ بالدعم الجوي الروسي، مع ما يستلزمه ذلك من فتح قواعدها الجويّة للطائرات الروسية، علمًا أنّ خبراء عسكريين غربيين يعتقدون جازمين بأن هذا لا يشكل فرقًا مهمًّا على الصعيد العسكري؛ لأنّ القصف الروسي متاح من قاعدة حميميم، ومن السفن المنتشرة قبالة الساحل السوري، ومن جنوب روسيا نفسها، و كلُّ ذلك لم يمنع الفصائل من تحقيق هذا الاختراق الكبير في جبهة جنوب شرق حلب.

إنّ هذا الاستعراض المسرحي الذي تقوم به موسكو لقوتها بعدما عجز طيرانها و صواريخها عن حسم المواجهة، تهدف منه فعليًا تقديمَ دعم معنوي إلى إيران ونظام الأسد، وتوجيه رسالة إلى العالم بأنّها هي التي تدير معركة سورية، وأنها الطرف الأقدر على ملء الفراغ الأميركي في المنطقة.

هذا في الوقت الذي يرى فيه المراقبون، أنّ الأطراف المعنية بالملف السوريّ مجتمعةً ـ المصطف مع روسيا، أو المعارض لها ـ ستكون فرحةً بهذه الاندفاعة الجامحة من الرئيس بوتين؛ لأنها باتت ترى عيانًا موسكو و هي تغوص، يومًا بعد يوم، أكثرَ فأكثرَ، في تفاصيل المستنقع السوريّ.

فغدَتْ طائراته تلاحق الطفلَ ( عمران ) في أزقة حلب، و تلحق الدمار ببضع دكاكين هُيأت على عجل لتكون ( مستشفى الريح المرسلة ) لمرضى الفشل الكلوي في منطقة دارة عزّة، و تتعقّب ( شاحنة صغيرة ) تحمل بضع مئات من أكياس حليب الأطفال في منطقة سراقب، فتذهب أمٌّ و طفلها ضحيةً فيها، و تأتي على ( جسر خان طومان ) في جنوب حلب حيث تمرّ شاحنات الخضراوات المتجهة إلى مناطق شرق حلب الخارجة عن يد الأسد.

و هي أهداف متواضعة في الميزان العسكري، فقيمتها المادية لا تكاد تذكرُ إلى جانب تكلفة الطلعة الواحدة لهذه القاذفات، التي تقدَّر بخمسة ملايين روبل روسي، هذا فضلاً على أنّ التكلفة التشغيلية لمطار حميميم تتجاوز المليوني دولار يوميًا، و لم يثمر كلّ ما قامت بها الطائرات المقلعة منه سوى عن مزيد من الأضرار المادية للمدنيين، و إزهاق مئات الأرواح في أسواق إدلب، و سراقب، و بنش، و تفتناز، و الأتارب.

إنّه ليغلبُ على الظنّ أنّ بوتين قد بات يدرك أكثر من أيّ وقت مضى، أنّ تدخّل قواته في سورية قد أخذ يتحول مع مرور الوقت إلى استنزاف لها، فضلاً على الخسارة الأخلاقية لمكانة روسيا في نظر السوريين، و العالم الإسلامي السُّني، و عند الشعوب الحرة.

و أنّ خطوته الأخيرة في الزجّ بقاذفاته الاستراتيجية، و صواريخه البالستية العابرة للقارات، في صراع داخليّ بعيد عنه، كمن يصرخ من أجل أن يلفت إليه الأنظار؛ ليقوم الناس بإخراجه من الورطة التي أوقع نفسَه فيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.