بما تَبَقَّى من رَمَق…

عارياً من كل شيء إلا حلاوة روح، تباعدت الأهداب، تسللت بينها وبرفق خيوط ذهبية، كانت السماء زرقاء تماماً تَسِمُها نتف من غيوم بيضاء تناثرت دونما اتفاق، لم يرسخ في ذاكرتي إلا “النورس” الذي انتشلني وضحكته الساخرة والبيدر وسنابل القمح…

بقلم: نزار غالب فليحان

نتسول البقاء على عتبات الحياة التي تشبه ثرثرة لا تريد أن تنتهي، فتحيلنا إلى شاهدات القبور، الحياة التي توحي بالوجود وتعد كل لحظة بالموت، تعبث ما استطاعت بنا فتقذفنا بأسباب موت شتى، تُسيل ملذاتُها وشهواتُها لعابَنا وتُسيل دمَنا ذات مشيئة.

ولدنا بريئين حدَّ أن لم نرصد فرقاً بين الموت والحياة، نلهو كما تلهو، لا نأبه بمصائرنا، ولا نكترث بالنهايات، ولا نلقي بالاً للمآلات، ننام مصادفة بلا مواقيت أو انتظار قمر، ونصحو في غفلة من شروق شمس.

كنت أصغر ثلاثة أشقياء يلهون عصيرة يوم صائف على حافة بركة ماء في قرية على سفح رابية، كنت لم أزل بعد كائناً مائياً يحن إلى رحم أمه، لا أتقن السباحة أبداً، لكنني…

كنْتُ أظنُّني قادراً
أنْ أسيرَ على سطحِ بركةٍ نائية
في قريةٍ تنامُ مثلَ قطةٍ
في سفحِ رابية
تظلِّلُ بعضَ مائِها
غصونُ توتةٍ عتيقةٍ
وتستريحُ في جوارِها دالية

قلنا والشمس شارفت على المغيب نعبر ما استطعنا من هذا السائل المشوب بالطين وغبار البيادر والخَزِّ الشائك الذي تنبعث منه رائحة اليخضور ممزوجة بروائح بول الأغنام والماعز والخيول والحمير والصِّبْية، لكن الكبيرَيْن جفلا بداية الطريق ثم حرنا وعادا، وأنا…

قُلْتُ أمضي
مضَيْتُ ولم أخَفْ
وثِقْتُ بالماءِ الذي أَلِفْتُ
يومَ صرتُ مضغةً
في إحدى الصُّدَفْ
لا الخوفُ زادَ تَرَدُّدي
ولا
قلبي رَجَفْ

كلما أوغلت في الدخول نحو الضفة الثانية ابتعد قاع البركة عن أصابع قدميَّ، كنت عارياً تماماً، أرقب ظفري على بعد أمتار غافلاً غرقاً يرصد نفاد حظي في النجاة بلهفة يحاورني الماء كذئب يحاور فريسته، تمكَّنَ مني الماء، ابتلع آخر خصلة شعر، ولم تنجُ مني سوى بضع فقاعات دَلَّت عليَّ…

أنا والماءُ ثالثُنا ردىً
سؤالٌ حائرٌ
والجوابُ عَصِيْ
كان موتي قابَ شهقةٍ
أدنو إليه وهْوَ مُسْرِعاً
يدنو إلَيْ

فوق البركة، على كتفها الجنوبي بيدرٌ تلمع سنابله تحت شمس آب الصريحة، كان ينظرني بقلق، ربما ساوره الشك في قدرتي على عبور البركة، لكنه تركني أبلغ حافة المغامرة، لم تكن هذه أول مرة ينتشل فيها غريقاً لامس الموت روحه، ربما كان مصادفة هناك، وقد تكون السباحة ذات بيدر هي المصادفة، عرفْتُ معنى أن تلتقط “الداية” الجنين وتخرجه من جوف مظلم لزج.

عارياً من كل شيء إلا حلاوة روح، تباعدت الأهداب، تسللت بينها وبرفق خيوط ذهبية، كانت السماء زرقاء تماماً تَسِمُها نتف من غيوم بيضاء تناثرت دونما اتفاق، لم يرسخ في ذاكرتي إلا “النورس” الذي انتشلني وضحكته الساخرة والبيدر وسنابل القمح…

نَجَوْتُ مثلما
ينْجو الخريفُ من الفصولِ
بما تَبَقَّى من رَمَقْ
تَشَبُّثُ الأشجارِ في حضنِ التُّرابِ
أخضرٌ لَمَّا يزلْ
يلوحُ في بعضِ الورقْ
وخصلتانِ في عريشةٍ
يتيمتان ترْقُبانِ قارساً
بكاملِ الأرقْ
نَجَوْتُ من موتي كما
تَنْجو النجومُ من الغرقْ

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.