بلدٌ قررت أن تحلم بالتغيير فعاندتها كل قوى الأرض

بلدٌ، يحاول الكل أن يعبث به، يريد الكل أن يسترجع أمجاده التليدة على حساب وحدة أراضيه وحرية شعبه، القيصر، والسلطان، والخليفة، والولي الفقيه، والرئيس الوارث ديمقراطياً، كلهم يبحثون عن موطئ قدم واسترجاع ما مضى من سيرة طغيانهم وغيّهم.

الأيام السورية؛ بقلم: حسين برو

يقول الشاعر السوري جبران خليل جبران في رسالة كتبها لصديقة أمريكية قبل ما يقارب المئة عام من اليوم، يشكو فيها همه من واقع بلده، ومن ناسها ومن حالها:

“أنا لست وطنياً يا ماري، غير أن فؤادي يكتوي من أجل سوريا، لقد كانت الأقدار قاسية عليها الى أبلغ حد. لقد كانت أكثر جداً من قاسية. إن آلهتها ماتوا، وأبناءها قد تركوها، ليطلبوا القوت في أصقاع نائية، وبناتها بكماوات عمياوات، ومع هذا فهي ما تزال حية، حية، وهذا أشد شيء إيلاماً، إنها حية في وسط تعاستها”.

نعم هذا ما كتبه شاعر قبل قرن من اليوم، وكأنه كان يكتب مشاهداته هذا الصباح، وكأنه يعيش بيننا، ونعم كانت الأقدار أكثر من قاسية على هذا البلد وأهله، ونعم ثالثة إنه ورغم كل هذا الخراب العميم ما زال يعيش، ما زال حياً ويحلم.

بلدٌ، سماؤه صارت بحاجة لشرطي سير كي ينظّم حركة الطائرات وهي تنفذ طلعاتها لتفرغ حممها فوق رؤوس المدنيين من الأهالي، طائرات روسية، وطائرات سورية، وأخرى فرنسية، وأمريكية، وإسرائيلية، وما شئت من جنسيات، طائرات لا هدف لها إلا أن تقتل وتقتل.

بلدٌ، تطلب حكومتها من غريب أن يحتلها تحت بند المساعدة والنجدة، وقيصر فقد لياقته، يبدأ من جديد تمرينات لاستعادتها، تحت بند المساعدة للقضاء على الإرهاب، ليمارس عربدة في سمائها ويقتل المزيد من أبنائها.

بلدٌ، تطلب حكومتها من غريب أن يحتلها تحت بند المساعدة والنجدة، وقيصر فقد لياقته، يبدأ من جديد تمرينات لاستعادتها، تحت بند المساعدة للقضاء على الإرهاب، ليمارس عربدة في سمائها ويقتل المزيد من أبنائها.

بلدٌ، تحت بند الجهاد، خربته قوافل العابثين من كل أصقاع الأرض، تحت مسمى مجاهدين، ليعيثوا فساداً في أرضه، ويقيدوا حرية أهله، تحت يافطات ملونة بالأسود، وفتاوى غبية من فقهاء ظلام، راحوا ينسجون من جديد بنى جديدة لاستبداد أمرُّ وأدهى، طغيان بلبوس ديني..

بلدٌ، ساسة معارضته ما زالوا يتقاتلون على منصب هنا، ومقعد هناك، من كانوا يحسبون حالهم ثواراً يتقاتلون حول من سبق؟ ومن صدق؟ ومن لحق؟ من يسمي نفسه معارضة داخلية فيها، يبارك تدخّل الصديق الروسي، ويبارك قذائفه وصواريخه، ويرقص الناتاشا الروسية على أنغام الموت السوري.

بلدٌ، قررت أن تحلم بالتغيير، فعاندتها كل قوى الأرض، ضاع نصف أبنائها في المنافي، توزعوا ما بين مخيمات نزوح ومعسكرات لجوء.

بلدٌ، يحاول الكل أن يعبث به، يريد الكل أن يسترجع أمجاده التليدة على حساب وحدة أراضيه وحرية شعبه، القيصر، والسلطان، والخليفة، والولي الفقيه، والرئيس الوارث ديمقراطياً، كلهم يبحثون عن موطئ قدم واسترجاع ما مضى من سيرة طغيانهم وغيّهم.

بلدٌ، تحت الاحتلال!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.