بعد الفيضانات المدمرة في 3 قارات هل أضحت نظريات المناخ المرعبة حقيقة؟

الاتجاه المحافظ الذي يتبعه العلم بشكل عام، يعد ذلك أمراً جيّداً من نواحٍ كثيرة. لكن في مجال التغير المناخي، كان على العلماء التعامل مع ضغط سياسي وثقافي هائل لعدم المبالغة في التهديد.

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

جعلت عوامل الطقس القاتلة وغير المسبوقة الصيف الحالي، على غرار درجات الحرارة المرتفعة للغاية في غرب كندا، والفيضانات التي اجتاحت غرب أوروبا، وغرق أشخاص جرّاء سيول غمرت عربات مترو في وسط الصين، من العام 2021 العام الذي تصبح فيه التوقعات الخاصة بالمناخ حقيقة لا يمكن تجاهلها.

هذه الكوارث الكبيرة الناتجة عن تغير المناخ، جعلت نحو 200 دولة من دول العالم للتداعي لعقد اجتماع، الاثنين 26 تموز/ يوليو 2021، للمصادقة على تقرير مهم للأمم المتحدة بشأن علوم المناخ قبل مئة يوم من قمة سياسية تهدف للمحافظة على الأرض ككوكب قابل للحياة.

وفي هذا الاجتماع، سينقّح ممثلو 195 بلداً بمساعدة علماء “ملخّصاً لصناع القرارات” مكوناً من حوالي 20 إلى 30 صفحة سطراً سطراً وكلمة كلمة.

تغير المناخ بين تقريرين للهيئة الحكومية الدولية

بات العالم مختلفاً عمّا كان عليه في عام 2014، عندما أصدرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تقييمها الشامل الخامس بشأن الاحترار العالمي في الماضي والمستقبل. وفي ظل درجات الحرارة القياسية وحرائق الغابات وموجات الجفاف، تبخرت الشكوك التي كانت سائدة حينذاك في أن الاحترار يتسارع أو في أن المصدر بشري بالكامل تقريباً، إضافة إلى المفهوم الذي يعطي تطمينات زائفة بأن تداعيات المناخ هي مشكلات الغد.

اتفاق باريس.. ما الجدوى؟

بعد إصدار تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عام 2014، تم تبني اتفاق باريس الذي حدد هدفاً جماعياً يقضي بالحد من درجة حرارة الأرض لتكون عند مستوى يتجاوز مستويات أواخر القرن التاسع عشر بـ”أقل بكثير” من درجتين مئويتين. ورفع التلوث الكربوني الناجم عن إحراق الوقود الأحفوري وتسرّب الميثان والزراعة الحرارة بـ1,1 درجة مئوية حتى الآن.

كما وضعت معاهدة 2015 حداً طموحاً بلغ 1,5 درجة مئوية، فيما افترضت العديد من الجهات المشاركة في المحادثات بأنه سيبقى مجرّد هدف طموح وبالتالي سيكون من السهل تنحيته جانباً.

الدمار الذي يمكن أن يتسبب به الاحترار

قال عالم المناخ بيتر ثورن من جامعة ماينوث في إيرلندا والذي كان من أبرز الشخصيات التي صاغت تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ: “لكن الدول عادت وطلبت من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إعداد تقرير خاص بشأن المسألة، وهو أمر بدّل الإطار تماماً”.

وكشف التحليل الناتج عن ذلك سنة 2018 مدى الدمار الذي يمكن أن يتسبب به الاحترار بنصف درجة إضافية لتصبح 1,5 درجة مئوية الرقم الوحيد المطروح اليوم.

وقال ثورن في مقابلة أجرتها معه فرانس برس عبر “زوم”: إن 1,5 درجة مئوية “باتت الهدف بحكم الأمر الواقع” ودليل على تأثير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ على تشكيل السياسة العالمية في هذا الصدد.

كما أن العلم نفسه شهد تغييرات في السنوات السبع الأخيرة.

فيضانات كبيرة في الصين (الجزيرة نت)

إسناد الأحوال الجوية العالمية

قال خبير المناخ روبرت فاوتارد، المؤلف البارز أيضاً لتقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ومدير معهد بيار-سيمون لابلاس: “لدينا اليوم نماذج أفضل للتوقعات المناخية وعمليات رصد أطول مع مؤشر أوضح بكثير على التغير المناخي”.

ولعل الاختراق الأكبر هو ما يعرف بدراسات الإسناد التي تسمح لأول مرة للعلماء بتحديد سريع لمدى تكثيف التغير المناخي حدثاً شديداً في الطقس أو إمكان حصوله. وعلى سبيل المثال، تمكّن تجمّع “إسناد الأحوال الجوية العالمية” في غضون أيام من موجة الحر الشديدة التي اجتاحت كندا وغرب الولايات المتحدة الشهر الماضي من التوصل حسابياً إلى أن حدوثها كان أمراً مستحيلاً تقريباً لولا الاحترار الذي تسبب به الإنسان.

ضرورة توفير ضغط سياسي وثقافي هائل

لكن التحليل بعد الوقائع مختلف عن التوقعات المسبقة فيما تعرّضت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التي أسست عام 1988 لتوفير المعلومات الضرورية للمفاوضات المرتبطة بالمناخ في الأمم المتحدة، إلى انتقادات من قبل بعض الجهات التي اعتبرت أنها قللت من أهمية الخطر، وهو نمط اعتبرت مؤرخة العلوم في جامعة هارفارد نعومي أوريسكيس أنه يهدف للبقاء في الجانب “الأقل دراماتيكية” للأحداث.

وقالت لوكالة فرانس برس: “هناك الاتجاه المحافظ الذي يتبعه العلم بشكل عام، يعد ذلك أمراً جيّداً من نواحٍ كثيرة”.

وتابعت: “لكن في مجال التغير المناخي، كان على العلماء التعامل مع ضغط سياسي وثقافي هائل لعدم المبالغة في التهديد”.

وأضافت أن على الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن تواجه التدخل المباشر من الحكومات التي تعمل باسمها. وأفادت “أعتقد أنه لا يوجد الكثير من الشك في أن تأثير الضغط الخارجي، بالمجمل، كان هدفه دفع بياناتها باتّجاه الجانب الأقل قلقاً بدلاً من الأكثر قلقاً”.

ارتفاع الحرارة في كندا (كندا نيوز)

احتمال ضئيل وخطر كبير

قال مدير معهد الأنظمة العالمية في جامعة إكستر تيم لنتون: إن “التفاعلات التي تضخّم التغيير أقوى مما اعتقدنا ولربما نقترب من نقطة تحول ما”.

وبعيداً عن عتبات درجات الحرارة التي لا يزال يتوجب تحديدها، قد تتجاوز أجزاء من نظام المناخ نقطة اللاعودة، بما في ذلك الصفائح الجليدية التي تضبط ارتفاع منسوب البحار بأمتار والتربة الصقيعية المحمّلة بغازات دفيئة تتجاوز بمرّتين تلك الموجودة في الجو.

مصدر أ ف ب
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.