بطانة بشار وطائفته في سوريا

هكذا يضحّي بشار الأسد بالعلويين، وينفيهم من الوطن الذي هو سوريا ويهجّرهم إلى الطائفية، لقد آن الأوان أن يستفيقوا

الأيام السورية؛ طارق نعمان

عودوا إلى حضن الوطن

سيحمل ما ستقرؤه أدناه معانٍ وجملاً قد تلتبس عليك في معانيها، وتمثّل لكَ نَفَسَاً طائفياً متحيّزاً، فتحكمُ عليها بأسلوب المتناقض الوجودي لا المطلع الديالكتيكي، لكنّ ما يحدث حقاً في سوريا مدفونٌ خلفَ قوانينِ الصحافة والإعلام، وقواعد المواطنة والمظاهر الخدّاعة المتبناة فقط لإرضاء جمعيات مدنية وجهات سياسية متمدّنة، كونها لا تقدّم الدعم إلا في حالات التزام المدعوم بقوانينها التي غالباً ما تكون حيادية ترفض العنصرية والطائفية والتحيّز، وتشترط في كثيرٍ من الأحيان أن يخضع موظفو الهيئات التي تقوم على دعمها، لدوراتٍ وتدريباتٍ تصبُّ جدواها في خدمة هذه القوانين، كل هذا وضع الإعلام والسياسيين وحتى المقاتلين في زاوية قصوى من جدار الفصل عن حقيقة ما يجري.

بلد واحد لشعبين

انقسم الشعب السوري مع بداية الثورة إلى مؤيدٍ للأسد ومعارض له، أمّا المعارض فكان يطالب بالحرية وإنهاء التسلّط السياسي والأمني ظاهراً وباطناً، كانَ معظم همّه التخلّص من هيمنة فئة معيّنة من الشعب على الموارد الطبيعية، ومراكز اتخاذ القرار، بيد أنَّ فئةً صغيرةً من الطرف المعارض أرادت تحويل سوريا إلى دولة عقائدية دينية..وهذا انطبق على الطرف المؤيد أيضاً مع الأخذ بعين الاعتبار الجهة التي يدعمها.

فالفئة المؤيّدة انقسمت إلى داعين للهدوء، بحجّة أنّ الاستقرار كان وما زال، وهذا الاستقرار يستحقّ التضحية بالحرية في سبيله، وفئة أخرى تدعم النظام عقائدياً خوفاً ممّا تسرّب إلى عقيدتهم من وعيد تاريخي بأنّهم مقتولون مقتولون على أيدي المعارضة، ولم يدركوا حتى الآن أنّهم يلاقون المصير الذي يفرّون منه ولكن بشكلٍ أقلّ ظلماً برأيهم، فأن تموتَ دفاعاً عن الوطن تحت ظل بشار الأسد خيرٌ لك من الموت دفاعاً عن الوطن تحت ظل غير بشار الأسد.

والتقى الجمعان، جمعٌ يطالبُ بالحرية، وآخرٌ يطالب بالعقيدة التي يعتبر أن حاميها هو ابن من زكّاه شيوخ طائفته ليكون الصدر الأعلى والتمثّل الأكملَ للولي والإمام الأول وهنا انقسم الشعب السوري إلى شعبين في دولة واحدة.

بشار الأسد والعلويون

وقعت الفاجعة الأولى التي تلقّاها العلويون بصمتٍ يومَ تزوّج بشار الأسد العلوي من أسماء الأخرس السنية، وقال شيوخ الطائفة أو بعضهم على الأقل بصمت: إنّ ما قام به بشار سيؤدي إلى هلاكه وهلاك ملكه، وهذا الحكم ليس غريباً عليهم فقد أوّل الشيوخ مقتل باسل الأسد عام 1994 تأويلاً روحياً دينياً بحتاً قد لا يصدّقه غير المطّلعين على الإيمان العلوي، وكان هذا التأويل يومها بصمتٍ أيضاً، يقول: إنّ باسل الأسد سيلقى جزاءه لأنّه أطلق على حصانه اسم “ذو الفقار” وهو اسم سيف الرجل الأكثر تقديساً على الإطلاق لدى العلويين، الذين استمدوا اسم طائفتهم منه “الصحابي علي بن أبي طالب”.

الاستنكار وقراءةُ مستقبل باسل كان قبل مقتله بأشهر عدّة أو لنقل منذ أطلق الأخير الاسم على حصانه، لاعتبارهم أنّ سيف علي بن أبي طالب هو روحٌ مقدّسةٌ حسب صحائفهم وموروثهم، وبالفعل حصل ما توقّع شيوخهم، وقُتل باسل في حادث سيارة أودى به أشلاءً.

صمت يومها الشيوخ وصمت حافظ الأسد على الشيوخ كي لا يشقَّ الصفّ الداعم له، وهكذا حكم الشيوخ على بشار الأسد حين تزوج من أسماء بنفس الطريقة، لكن ما أسكت الطائفة هو نبوءةٌ قديمةٌ في كتاب “الجفر”، وهي أنّه إن سقط ابن حافظ الأسد المشار إليه رمزاً في النبوءة، فسيكون آخر عهد العلويين في سوريا، فصمتوا (شيوخ الطائفة) وقرّروا الدفاع عنه رغم ما يطلقونه عليه من ألقاب دينية تخصّ طائفتهم مثل ” العاق”، لعدم قيامه بزيارة أي ضريحٍ أو مزارٍ علوي في الساحل لا سراً ولا جهراً، الأمر الذي دأب عليه حافظ الأسد في بداياته حتى أصبح هو المزار في منتصف التسعينيات. كما أنّ بشار لم يقم بزيارة قبر أبيه ولا قبر جدّته ولا حتى مرّة واحدة لا سرّاً ولا علانيّةً حسبما وشى أحد العاملين على حماية قبر حافظ الأسد، كما أنّ بشار الأسد أبدى منذ بداية حكمه عدم اقتناعه بالدين العلوي وكان يجيّر كل الزيارات التي كانت تقصده من الصف الثالث والرابع من المتدينين العلويين إلى مكتب وقصر أخيه ماهر الغارق حتى أذنيه في الاهتمامات الدينية والرموز، يقول حيدر دمسرخو وهو من منطقة قريبة من مدينة اللاذقية: عندما تستمع إلى حديث بشار الأسد العادي في زياراته العائلية تجده حديث إنسان علماني، لا يعطِ بالاً أبداً لأيّ مفردةٍ يمكن أن تدلَّ أنّه منّا، بينما حين تجلس مع ماهر فتعرف تماماً أنّه يقرأ ويبحر مع المشايخ فدعاؤه أو حتى شتائمه مقتبسة من صلب العقيدة.

هذا حال العلويين الروحي اتّجاه بشار الأسد قبل الثورة، وزاد الحال تشكّكاً عندما بدأت الثورة تأخذ منحى الانتصار، وزاد إيمان العلويين بأنّ لعنة زواج بشار بدأت بالظهور ما اضطّر الأخير للسعي للحصول على الدعم الروحي من مفتي العلوية بدر غزال آنذاك، الذي كان من مضمن فتاويه أنّ اللعنة يغسلها دم الأطفال والنساء، لكنّه أبى بدوره أن يفتي بأن بشار هو خليفة الصدر الأول حافظ الأسد دينيّاً فما كان من بشار إلّا أن رفع الحماية عن القرية التي يقطن فيها المفتي ليقتل على أيدي المعارضة.

مقتل غزال كان رسالة للعلويين، تقول: إنّ مفتيكم قُتل وإنّكم ستلحقون به، وكونه أي بشار الأسد فقد الالتفاف والمسوّغ الديني ليكون القائد الروحي، خلق لهم (للعلويين) سهيل الحسن (النمر) المتّفق على التزامه الديني وعلى درجته الدينية الصدرية كونه من نسل شيوخ ومفتين في الطائفة، وكانت كلمات وخطب الحسن (التي ضحك عليها المعارضة) دليلاً عظيماً للعلويّة أنّ اللعنة انتهت، وأنّ أعداء العالم الأعلى “صدراً وأبواباً” تمّ القضاء عليهم من أصدقاء العالم المادي، وهي جميعها مفردات مستقاة من منابع التعاليم العلوية، وبهذا الرمز الذي يتحكّم به بشار الأسد تحكّماً مطلقاً، خلق للعلويين وطناً دينياً حدوده الخوف من الإبادة، ومرساته التعاليم الدينية، ليعزلهم ويهجّرهم من وطنٍ هو سوريا إلى وطنٍ هو سهيل الحسن حيث يموت أبناؤهم فيه بحجّة حماية العقيدة ظاهرياً، أمّا باطنياً فهي حماية حكم آل الأسد وشركائهم..

العلويون سيلاقون ما يهربون منه

لقد هجّر بشار الأسد طائفته روحيّاً من وطنٍ مدني هو سوريا، إلى وطنٍ عقائديٍ دينيٍ وإن لم يعودوا إلى حضن الوطن المدني فالحرب العقيدية “التي سيقودها أصدقاء العالم” ستأكل منهم كلّ أصلٍ وصدر وباب، ليعودوا مجتمعاً نسائياً بحتاً، وهم وحدهم يعلمون ما هو أصل المرأة في دينهم، وأنّ ما يهربون منه سيلاقيهم من نسائهم.

 

ملاحظة:

المقال يعبر عن رأي كاتبه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.