بشار بن سلمان 

الأيام السورية؛ بقلم: طارق نعمان

ورّطوك ونسوا مين ابوك 

اعتاد مؤيدو رأس النظام السوري أن يعزوه بطريقة حميميّة من خلال رفعهم عبارات كـ: حاربوك ونسوا ”مين” أبوك، في دلالةٍ على أنَّ هذا الشبل من ذاك الأسد، وفي دلالةٍ أخرى لم يعوها على أنّ شخصيته غير مكتملة فهو دائماً بحاجةٍ للالتصاق بما أسموه منجزات والده، فـ بشار الأسد لم يقدّم للساحة السورية أيَّ إنجازٍ خلال عشر سنوات من حكمه بل زاد طينةَ أبيه بلّة بعد أن قدّم نفسه كرئيس إصلاحي مواكب للعصر سيخرج سوريا  نحو الازدهار، لكنَّ جهله السياسي وغباءه الاستراتيجي كانا أكبر هدية للدول الأخرى ولسان حالها يقول: “حمار تركبه أحسن من فرس يوقعك”، وتمّت مباركة تولّيه حكم سوريا بشروطٍ عشرة، يتمّ من خلالها تحويل الشعب السوري من الديكتاتورية العسكرية إلى الديكتاتورية الحمقاء، وعندما فشل في تنفيذ مآربه هدم سوريا عن بكرة أبيها حجراً وبشراً مستخدماً سياسة أبيه البائد المبنيّة على الحقد والانتقام والتشفي والإبادة والاغتيالات السياسية والإخفاء القسري إلى آخره من ممارسات الإجرام الديكتاتوري العنيد المتّفق دولياً على تجريمه، وكان مما ورثه بشار السعي لاغتيال أحمد ترمانيني الضابط الطيار المنشق عن صفوف الأسد الأب لرفضه قصف مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في لبنان، فانشق بطائرته إلى العراق حيث تمّ احتضانه وتدرّج في صفوف الجيش العراقي ليصبح لواءً ثمّ ليتمَّ اغتياله في العام 2006 والفاعل مجهول للعلن.

ولادة خرقاء لديكتاتور مصنّع 

من المحزن أنّنا كعرب نشهد ولادة مرضٍ سياسيٍ في السعودية، مرضٌ مشابهٌ لما حدث لسوريا بعد تولّي الديكتاتور الحداثي بشار الأسد، فهناك من  يحاول أن يثبت قدرته على حكم السعودية بديكتاتورية مختلفة عن الملكية التي كانت سائدة، وهو كغيره من جيل الديكتاتوريين الجدد غير محصّن من تورّم الاستبداد الذي يحيق بالعقل فيشعره بالتفوّق ويدفعه للعبقرية المنفردة، معتمداً على كادر عصاباتي لتنفيذ ما خُيّلَ له أنّه الطريق الأسلم لتوطيد أركان مملكته القادمة بعد أن وافى ملكها أو انقلابه عليه “من يدري” وطريقه الأسلم  كان بالتخلّص من المعارضين المحتملين والمعارضين الحقيقيين  أو حتى من كانت لديهم القابلية لأن يكونوا معارضين في المستقبل، وهذا ما فعله حافظ الأسد في بداية حكمه


إقرأ المزيد:

حافظ الأسد رمز العلويّة ومدمّرها


الفرق بين الاثنين هو أنَّ الأخير ديكتاتور مجرم بالفطرة، أمّا صاحب السعودية فقد درس الديكتاتورية، واعتمد على بطانته الاستخباراتية التي أدمنت متابعة الأفلام الأمريكية منذ الصغر مع أكياس بطاطا الشيبس والكولا، معتبرةً أنَّ التخطيط للعمل الاستخباراتي والاغتيالات السياسيّة أو العسكرية تحتاج لمخرج هوليودي لا قفير (عمل جماعي منظّم) استخباراتي ودبلوماسي يعمل على مدار أجزاء الثانية هادفاً في النهاية للخروج من الاتهام كالشعرة من العجين بأقل الخسائر الممكنة، وهذا ما لم نره في أيّ من عمليات المخابرات السعودية التي اختطفت المعارضين  حول العالم.

فبرغم الفخامة والهوليودية في التنفيذ إلى أنَّ الأصابع كانت تشير من اللحظة الأولى إلى المنفّذ خاصة بعد تصفية جمال خاشقي الصحفي السعودي في تركيا، فالغباء الاستخباراتي الذي تمّت خلاله العملية يعكس مدى البدائية في التخطيط وهذا كفيل تماماً بأن يورّط من أعطى أمر بدء هذه العملية توريطاً مباشراً لا لبس فيه.

الكليشيه أسلوب استخباراتي يعكس استغباء الديكتاتور

وصلت اللامبالاة واللاحرفية بالمخطّطين لتصفية أعداء الديكتاتور الصغير ليعتمدوا “كليشة” يستخدمها العناصر في كل عملية يريدون تنفيذها متجاهلين قراءة الساحة السياسية والمخابراتية والظروف الخاصة بكل ضحية وبكل جريمة يخطّطون لها.

وظهر هذا خلال قراءتي لتقريرٍ نشرته “بي بي سي” بتاريخ 15-08-2017 تحت عنوان أمراء آل سعود المخطوفون، أعاده لذاكرتي  أحد الأصدقاء، وممّا جاء في التقرير: “ففي صباح يوم 12 يونيو/حزيران 2003، ركب أمير سعودي سيارة قادته إلى قصر في ضواحي مدينة جنيف بسويسرا.

اسمه سلطان بن تركي بن عبد العزيز والقصر الذي نُقل إليه هو قصر عمه الملك الراحل فهد. واستدعاه لتناول الفطور الابن المفضل للملك فهد، الأمير عبد العزيز بن فهد.

آنذاك ذهب عبد العزيز لإجراء مكالمة هاتفية. وانصرف أيضاً الرجل الآخر الذي كان في الغرفة، وزير الشؤون الإسلامية السعودي، الشيخ صالح آل الشيخ. وبعد لحظات، داهم الغرفة رجال ملثمون ثم شرعوا في ضرب سلطان وكبّلوه ثمّ غرزوا إبرة في عنقه

وأسرعوا بالأمير سلطان الفاقد للوعي إلى مطار جنيف ثم نقلوه إلى طائرة طبية كانت تنتظر في مدرج المطار.”

وهذا ما نقرؤوه تماماً فيما يتسرّب من معلومات عن قضية خاشقجي فالقنصلية هي القصر والقنصل مع خاشقجي هو سلطان  مع ابن الملك، وأترك للقارئ باقي الإسقاطات ليستنتج أنَّ المخطّط كان أن يتمَّ تخدير خاشقجي وخطفه إلى الطائرة التي كانت تنتظر في مطار أتاتورك لكنّ حدثاً ما لم يكن متوقّعاً، فخاشقجي بدأ بالمقاومة والصراخ وهو ما لم يكن بحسبان فريق الاستخبارات التنفيذي الذي على ما يبدو كان أكّد  لسيّده قدرته الخيالية على  تنفيذ أوامره  لكنّ هذه العبقرية لم تتوقّع مقاومة خاشقجي، لذلك وجب قتله وهذه الخطة باء الارتجالية سياسيّاً والتي كل ما ستؤدي إليه يمكن حلّه بالمال ما يعكس تماماً  سياسة الديكتاتور الصغير في حلّ المشاكل على حساب الشعب كما سياسة بشار الأسد في أنّ كلّ ما يمكن أن ندمّره سندمره في سبيل الكرسي الفارق البسيط أنّ الأخير وصل مرحلة الإبادة الجماعية بسرعة، أمّا ما يقوم به الديكتاتور الصغير  فهو التضحية بحقوق السعودييون في ثرواتهم وأرزاقهم وأموالهم  التي بدأت بالنفاذ فالبورصة السعودية  في الرابع عشر من الشهر العاشر 2018 على سبيل المثال هبطت لتخسر مكاسبها.

والسؤال هنا ماذا سيكون لدى هذا الديكتاتور الصغير الذي سمّى نفسه مسؤولاً عن كل الأجهزة الأمنية في مملكته  ليقدّمه ثمناً لمغامراته السياسية المراهقة وانتهاكاته الفاضحة لحقوق الإنسان  حين تفرغ خزائنه ويتشرّى الجوع في المجتمع السعودي وقد بدأ!

عندها لن يكون أمام من اعتاد على امتصاص ثروات السعودية سوى تحويلها إلى إيران ثانية كما حول بشار الأسد سوريا إلى خرائب إرم عاد……………أم أنّ الدول المعنية ستستميت لإنقاذه واكتشاف أنَّ من قام بهذه الجريمة هو عدوٌّ يمكن أن يصبح شمّاعةً للسعودية كما هو سبب البلاء في تركيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.