برتولد بريشت ليس الفنّ مرآة للحقيقة بل مطرقة يمكن بها تشكيل الحقيقة

بريشت، لم يكن من الكُتّاب الذين ينتظرون الإلهام في غرف المكتب. الإلهام بالنسبة له هو معايشة الواقع مع الناس، فقد كتب معظم مسرحيّاته في ورش عمل جماعيّة.

إعداد؛ محمد محسن

“ألمانيا، أيتّها الأمّ الشاحبة
ما لكِ تجلسين مدنّسة بين الشعوب.
أفقر أبنائك يرقد صريعاً
حين تعاظم جوعه
رفع أبناؤك الآخرون أيديهم ضدّه”.

بهذه الكلمات، وصف الشاعر والمسرحيّ برتولد بريشت بلاده، في وقته الذي عاش فيه. وقد ولد بريشت في عام 1898، ورحل في 1956، وهذا يعني أنّه شاهد في حياته، أحلك السنوات التي عاشتها ألمانيا، وعاصر أكبر حربين في التاريخ الحديث.

التعلق بالمسرح

منذ طفولته، كان لديه ولع خاصّ بالشعر والمسرح، فكان دائم الحضور لمسرح العرائس، وكان يلاحق الشعراء الجوّالين في الشوارع والفرق المسرحيّة التي تزور مدينته. انتقل إلى ميونيخ، لدراسة الفلسفة والطبّ، لكنّه اسْتُدعي للتجنيد، وخدم في مستشفيات الجيش، وهناك عايش عن قرب عذابات الجرحى ومشوّهي الحرب الطاحنة التي كانت تعيشها أوروبّا آنذاك. وعبّر عن ذلك في أشعاره الأولى، التي كان يلقيها على جرحى الحرب، محاولاً أن يكشف لهم الدوافع الحقيقيّة لهذه الحرب وأنّها مجرّد صفقة لصالح الأغنياء ومراكز القوى.

بدايات تشكل الوعي

من هنا بدأت مسيرة بريشت في رفض الحروب، ومع اندلاع الثورة الاشتراكيّة في أكثر من مدينة ألمانية عام 1918، وإخماد السلطة لها بالعنف المسلّح، اكتملت الروح الثوريّة لديه، بعدما شاهد العساكر يحرقون أحلام شعبه في التغيير، ووجد أنّ كتاباته يجب أن يكون لها دور في وجه الثورة المضادّة، وقد تناول هذه الثورة بعد ذلك، في مسرحيّته “طبول في الليل” التي حاز بها على جائزة “كلايست” للأدب.

البدايات في برلين

بعد إنهاء مرحلة التجنيد، توجّه إلى برلين، ومنذ عام 1920 بدأ بريشت في كتابة سلسلة من المسرحيّات. وبدأ يؤسّس لمذهب جديد في المسرح، لم يكن معجباً بالمسرح الذي يهدف فقط إلى التسلية والمتعة للناس، دون أن يوعّيهم، وكان يسخر من هذا النوع من المسرحيّات ويقول: “المفروض على الواحد أن يخلع رأسه مع الجاكيت قبل أن يدخل ليتفرّج على المسرحيّة” لذلك بدأ بريشت بكتابة مسرحيّات مرتبطة بهموم الناس والواقع، إلى جانب المتعة طبعاً.

ويجب الإشارة هنا إلى أنّ بريشت لم يكن من الكُتّاب الذين ينتظرون الإلهام في غرف المكتب. الإلهام بالنسبة له هو معايشة الواقع مع الناس، فقد كتب معظم مسرحيّاته في ورش عمل جماعيّة.

في مسرحيّته “الاستثناء والقاعدة” مثلاً، كشف بريشت عن السياسات الرجعيّة القمعيّة، وحذّر من قدوم الفاشيّة، ومع وصول هتلر إلى الحكم، اضطرّ بريشت إلى مغادرة ألمانيا عام 1933، بسبب ورود اسمه في اللائحة السوداء التي وضعها النازيّون، فنُزِعت منه الجنسية الألمانيّة، واضطرّ إلى الفرار إلى الدانمرك ثمّ السويد ثمّ فينلندة ومنها إلى الاتّحاد السوفيتّي، وكان يهرب من بلد لآخر كلّما دخات القوّات الألمانيّة إليها، حتّى وصل أخيراً إلى كاليفورنيا التي لم تعجبه سياساتها.

برتولد بريشت (موقع revistaprosaversoearte)

النضال ضد النازية

رحلة طويلة من الإبداع ما بين النفي والفرار، عاشها بريشت وناضل خلالها ضدّ النازيّة الهتلريّة، مستخدماً الشعر والمسرح والسينما والإذاعة والقصص القصيرة والمقالات، ولم تؤثّر عليه انتصارات هتلر المرحليّة، فأنجز أهمّ أعماله في المنفى، التي جعلته بعد ذلك من أبرز فنّاني العالم الثوريّين، ليس فقط بأعماله التي كانت تحرّض الناس على الثورة على أوضاعهم البائسة، ولكن أيضاً لأنّه أحدث ثورة في مفهوم الجماهير عن علاقة الفنّ بالسياسة، ووظيفة المسرح السياسيّ، وهذا هو التحدّي الذي خاضه خلال أعماله.

أفكارا كبيرة وعميقة بأسلوب بسيط وشائق

عبقريّة بريشت تكمن في كونه يقدّم أفكاراً كبيرة وعميقة، ولكن بأسلوب بسيط وشائق، ففي مسرحيّة “صعود وسقوط مدينة ماهوجني”، أراد أن ينتقد النظام الرأسماليّ في العالم، الذي يعتبر الإنسان مجرّد سلعة يستخدمها حسب مصالحه، بيَّن بريشت ذلك من خلال شخصيّة البطل، الذي تعرّض للإعدام لأنّه لم يستطع تسديد ديونه، ولكن بريشت لا يريد أن يشفق الجمهور على البطل، بل أراد شيئاً اَخر، فكتب بخطّ عريض على لوحة علّقها خلف خشبة المسرح: “إنّ الكثيرين منكم ربّما يشهدون إعدامه باشمئزاز، ولكنّكم أيضاً في رأينا غير مستعدّين لأن تدفعوا له ديونه، لأنّ المال أصبح شيئاً غالياً جدّاً في عصرنا هذا”.

تميّزت أعماله، رغم تناولها للواقع الصعب الذي عاشته ألمانيا خلال حربين، بأنّها لم تخل من الروح الساخرة، يقول في إحدى قصائده:

“الوزراء يحكون للشعب دوماً عن صعوبة الحكم
فبدون الوزراء ستنمو الذرّة نحو الأرض وليس إلى أعلى
ولن تغادر المنجم حفنة فحم، لو لم يكن المستشار بهذه البراعة
وبدون وزير الإعلام، لن تقبل فتاة أن تحمل أبداً
وبدون وزير الحرب لن تكون حرب أبداً
وفي الحقيقة، فإنّ من المشكوك فيه جدّاً
أن تشرق الشمس في الصباح، دون إذن الفوهرر
وإذا فعلت ستكون في المكان الخطأ”.

بريشت والمكارثيّة

ظلّ بريشت هكذا يناهض إجرام نازيّة هتلر بالفنّ، وبعد انتهاء الحرب العالميّة الثانيّة عام 1945، وبداية الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفيتّي، تمّت محاكمته واتّهامه بالشيوعيّة، فيما عُرف بالفترة المكارثيّة، فاضطرّ إلى مغادرة الولايات المتّحدة، واستطاع أن يعود أخيراً إلى برلين الشرقيّة.

لن ينسى التاريخ، ليس تاريخ ألمانيا فقط، بل تاريخ العالم بأكمله، الشاعر والمسرحي برتولد بريشت، ودوره في مناهضة الحرب والفاشيّة، وربط الفنّ بالسياسة، وستظلّ جملته الشهيرة: “ليس الفنّ مرآة للحقيقة بل مطرقة يمكن بها تشكيل الحقيقة”، حاضرة بقوّة، أمام أعين الأجيال الجديدة من الكُتَّاب الثوريّين في العالم أجمع.

أعماله المسرحية

كتب بريشت عدداً كبيراً من الأعمال المسرحية، من أهمها: (بعل، ذاك الذي يقول لا‏ ذاك الذي يقول نعم، طبول في الليل، حياة إدوارد الثاني ملك إنجلترا، الرجل هو الرجل، أوبرا الثلاثة قروش، صعود وسقوط مدينة مهاجوني، حياة جاليليو، الاستثناء والقاعدة، الأم، البؤس والخوف في الرايخ الثالث، الأم شجاعة وأبنائها، الإنسان الطيب من سيتشوان، دائرة الطباشير القوقازية، الزفاف، الشحاذ, أو اليد الميتة، كم يكلف الحديد، الخطايا السبعة المهلكة).

مصدر (ليندا كسابو، برتولد بريشت الشاعر الذي يلي غوتة في الأهمية) (سمير جريس، برتولد بريشت الشاعر الذي أضاء الزمن المظلم) (نبيل الحفار، برتولد بريشت)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.