بدايات الحركة النسوية.. التيارات التي سيطرت على الأفكار العامة حول قضايا المرأة

مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اتخذ الحراك طابعاً مُختلفاً، وبدأ يتشعّب بين عدة تيارات، ونالت المرأة حق التصويت السياسي في بريطانيا وأمريكا وكندا وألمانيا والسويد، وانتشار الحركات النسوية في كل أصقاع الأرض.

الأيام السورية؛هدى عباس

أرسى عصر التنوير الأوروبي القواعد الإنسانية الحديثة بحقوق البشر في الحرية والمساواة، مُنتهجاً، ضمن أسسه، القطيعة مع التاريخ القديم بكل مؤسساته وأشكاله، منذ اللحظة التي أطلق فيها فولتير عبارته التي ما زال يتردد صداها حتى اليوم: “قد أختلف معك في الرأي، لكني مستعد لأدفع حياتي ثمناً لحقك في قول رأيك”. ليتبعها بعد ذلك جان جاك روسو في كتابه “العقد الاجتماعي” ويحدد التفسير الواقعي لعبودية الإنسان وطرق خلاصه.

البدايات

منذ ذلك الوقت أضحى العالم أمام تغيير جديد وجذري سيساهم بخلق بذور التوعية الشاملة في كافة مناحي الحياة، فمع اقتراب نهاية القرن الثامن عشر، اجتاحت أوروبا الثورات الشعبية التي ستعيد صياغة المفاهيم القديمة حول الإنسان وأهدافه وطريقة حياته.

ومن أهم تلك الصيغ، الوثيقة التي نصّت على إعطاء المرأة حقوقها ومواطنتها عام 1791. ومنذ ذلك التاريخ وضعت المرأة خطوتها الأولى في الطريق المشترك الذي سيصنع الحياة والمستقبل، فأضحت المرأة عنصراً فاعلاً في الحياة البشرية، وانطلقت من كونها أداة تنفيذية للمنهج الذكوري إلى كيان مشارك بكل التفاصيل.

أضحى العالم أمام تغيير جديد وجذري سيساهم بخلق بذور التوعية الشاملة في كافة مناحي الحياة، فمع اقتراب نهاية القرن الثامن عشر، اجتاحت أوروبا الثورات الشعبية التي ستعيد صياغة المفاهيم القديمة حول الإنسان وأهدافه وطريقة حياته.

لم تكن الحقوق في ذلك الزمن على المستوى المطلوب لمعنى التحرر الذي يتمتع به المجتمع الذكوري، لكن مع ذلك كان بادرة أولى في طريق سيؤدي إلى نضال تحرري.

تشكّل الحراك النسوي في العالم بعد إعلان الوثيقة الفرنسية حول مشاركة المرأة في صناعة القرار السياسي، فبعد عام من إعلان الوثيقة، أصدرت ماري كرافت، كتابها “حقوق النساء” وفيه عاينت مشاكل المرأة حول الطغيان المنزلي، وإنكار الحقوق السياسية، وفرص التعليم والعمل، ونقدت مؤسسة الزواج باعتبارها دعارة قانونية.

كان الكتاب بمثابة محرك لتوعية المرأة بخطورة واقعها، ومن خلاله اتسعت رقعة الحراك النسوي في العالم، داخل فرنسا وبريطانيا وامتد إلى أمريكا، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن تلك الفترة كانت أضعف من تحقيق شيء واقعي، لاعتمادها في الدرجة الأولى على الطروحات العامة التي انتهجتها الثورات الأوروبية في التحرر دون التوقف والتركيز على تفاصيل المعاناة وإيجاد أهداف واضحة للمرأة، والسبب الثاني هو قيادة الطبقة البرجوازية من النساء لذلك الحراك الذي اكتفى بالمسائل العامة.

النصف الثاني من القرن التاسع عشر

لكن مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اتخذ الحراك طابعاً مُختلفاً، وبدأ يتشعّب بين عدة تيارات، رغم نيلها حق التصويت السياسي في بريطانيا وأمريكا وكندا وألمانيا والسويد، وانتشار الحركات النسوية في كل أصقاع الأرض وصولاً إلى الهند واندونيسيا واليابان.

اتخذ الحراك النسوي عدة تيارات، سيطرت من خلالها على الأفكار العامة حول موضوع المرأة:

ـ التيار الأول كان هو الليبرالي الذي تمثّل في هيلينا لانغ وجرترود باومير، حيث أتت طروحاته من خلال التحرر المطلق من السلطة الاجتماعية والاقتصادية في الدرجة الأولى المحكومة بالنظام البطريركي.

ـ والثاني كان ذو الطبيعة الراديكالية المتمثل في جوستافا هيمان وأنيتا أوغسبورغ وجوزفين بتلر، والذي اتخذ موقفاً جذرياً من أن الاقتصاديات الجنسية هي سبب خضوع المرأة، وتم طرح قانون الزواج الحر بشكل كامل غير منقوص، حيث كان فعالاً جزئياً، على حساب الزواج الأبوي الساري، وانتشار دعوات مقاطعة الزواج.

ـ والتيار الثالث كان ذو الطبيعة الاشتراكية المتمثل في ليلي براون وكلارا زيتكن وألكسندرا كولنتاي، الذي اعتمد المنهج الماركسي في معالجة قضية المرأة باعتبارها جزء من نظم العلاقات الاقتصادية وأن تحررها يقوم على إنهاء الاستغلال الاقتصادي وليس محاربة الذكر أو دعوات للتحرر المطلق من المجتمع.

لم تكتفِ الحركة النسوية بتيارها الاشتراكي، نتيجة اتساعه على حساب التيارين الليبرالي والراديكالي، عند التفسير النظري، بل دعت إلى التحرر في قضايا العمل والمساواة في الأجر، والإجازة المدفوعة لرعاية الأطفال وحق التعليم.

تلك التيارات الرئيسية الثلاث التي سادت في الموجة الأولى من تاريخ الحراك النسوي. وفيه حددت المرأة وبدأت تعي طبيعة تشكيل العالم اقتصادياً وسياسياً وعليه أصبحت المعطيات أكثر وضوحاً والأهداف أكثر تحديداً.

ففي خطاب زيتكن التي ألقته في مؤتمر غوته للحزب الاشتراكي الديمقراطي عام 1896، حددت الصورة الأولى لمهمة المرأة: “لا يوجد شيء يمكن وصفه “بالحركة النسائية” قائم بذاته. توجد الحركة النسائية فقط في سياق التطور التاريخي، ومن ثم هناك حركة نسائية برجوازية وأخرى عمالية، وليس بين هاتين ارتباط أكثر مما هنالك بين الاشتراكية الديمقراطية والمجتمع البرجوازي”.

ولم تكتفِ الحركة النسوية بتيارها الاشتراكي، نتيجة اتساعه على حساب التيارين الليبرالي والراديكالي، عند التفسير النظري، بل دعت إلى التحرر في قضايا العمل والمساواة في الأجر، والإجازة المدفوعة لرعاية الأطفال وحق التعليم، في ذات الخطاب تكمل زيتكن: “إن النشاط النسائي صعب، فهو يتطلب عملا كثيراً وتفانياً كبيراً وتضحيات ضخمة، لكنها تضحيات ستثمر ولا مفر منها، فالطبقة العاملة لا تستطيع بلوغ انعتاقها إلا إذا ناضل كل أبنائها معاً، دون تمييز حسب الجنس”.

كلارا زيتكن(ويكيبيديا)

المراجع: (واتكنز رويدا، الحركة النسوية)، كلارا زيتكن، كلمة في مؤتمر غوته للحزب الاشتراكي الديمقراطي عام 1896)، (أليس جاردن، What Feminism ترجمة د. محمد السيد)، (النسوية وبيوغرافي النسوية في التاريخ).

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.