بترول وأفكار -د. هشام رزوق

في منتصف سبعينيات القرن الماضي وبعد صدمة البترول الأولى التي أحدثها قرار الملك الراحل فيصل آل سعود بتخفيض إنتاج البترول بنسبة خمسة بالمائة كل شهر إثر حرب أكتوبر 1973 كنوع من التضامن مع كل من سورية ومصر ودعما للقضية الفلسطينية، تلك الصدمة التي هزت اقتصاديات العالم الغربي وجعلته يعيش أحلك أيامه، في تلك الحقبة غنى مطرب فرنسي شاب ومغمور أغنية كلها تحد للعرب، وتحمل معان عنصرية واضحة، الأغنية تقول فيما تقوله : عندكم البترول وعندنا الأفكار، وستنتصر أفكارنا على بترولكم، وكان زملائي الفرنسيين الذين كنت أعمل معهم في مختبر الكيمياء لتحضير رسالة الدكتوراه يمازحونني من وقت لآخر ويقولون لي: صحيح أن لديكم البترول ولديكم الشمس على مدار السنة تقريبا ولكن نحن لدينا الأفكار الخلاقة لتجاوز أزمة الطاقة.
كنت أتساءل هل أن العرب لا يمتلكون فعلا العقل المفكر والمدبر لشؤون حياتهم السياسية والاقتصادية أم أن هناك تغييبا مقصودا للعقل؟ وهل الصورة النمطية التي يمتلكها الغرب عن العرب : كروش منتفخة ونساء (حريم) وهذا الصفر الدائري على الرأس الذي يعني لهم أن العربي بلا تفكير ولا عقل بل عبارة عن حيوان أكول وزير نساء، فيها شيء من الصحة؟ وللبحث عن إجابة، لا بد من استذكار بعض الأمور:
حين اجتمع مخططو سياسات الدول الغربية والأمريكية لمواجهة الوضع الخطير الذي نشأ عن تهديد الملك فيصل ومن الدور الذي بدأت تلعبه منظمة الأوبك، اتخذت قرارات اقتصادية وسياسية في منتهى الأهمية والخطورة ومنها على الخصوص البحث عن مصادر طاقة بديلة للبترول والاقتصاد باستهلاك الطاقة وضرورة تفكيك منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) ثم العمل وبكل الطرق المشروعة وغير المشروعة للتخلص من كل الشخصيات الوطنية، ملوكا أو رؤساء أو وزراء أو مسؤولين كبارا أو صغارا ممن يهددون وصول النفط إلى الأسواق الغربية.
لم تمر فترة طويلة حتى دفع الملك فيصل حياته ثمنا لتهديده بقطع النفط عن الغرب. قتل الملك على يد واحد من الأمراء قيل أنه معتوه ؟؟ وكان ذلك الحدث أول تطبيق فعلي لقرارات أباطرة السياسة الغربية. كان قتل الملك فيصل درسا لكل من تسول له نفسه اللعب بورقة النفط، وأعتقد أن من خلف الملك فيصل من ملوك السعودية قد فهموا الدرس جيدا كما فهمه غيرهم من الحكام العرب.
حين اتخذ صدام حسين قرارا وطنيا جريئا وأمم النفط العراقي، اتخذ قرار إخراج العراق ونظامه الوطني من دائرة التأثير في الساحة العربية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، فكان لا بد من التخلص من هذا النظام الذي اخترق الخطوط الحمراء المرسومة لزعماء المنطقة، وكان ما كان ابتداء من الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الأولى ثم حرب الخليج الثانية التي انتهت باحتلال العراق واغتيال الرئيس صدام حسين وتنصيب حكومات عميلة طائفية مازال العراق يعاني منها حتى الآن.
كان من الممكن أن تكون العلاقة بين العراق والغرب جيدة وبدون مشاكل لو أن العراق اتبع سياسة اقتصادية مختلفة لكن أن تستثمر أموال النفط في البناء والتعمير والتطور العلمي والثقافي وبناء الجامعات والمعاهد العليا والبحث العلمي وكل ما يؤدي إلى كسر دائرة التخلف، فهذا يعتبر من المحرمات على أية دولة عربية

ألم يقل وزير الخارجية الأمريكي لطارق عزيز حين التقاه في جنيف لآخر مرة قبل شن العدوان على العراق بأنهم سيرجعون العراق إلى العهد الحجري؟ فلكم أن تتصوروا مدى الحقد على كل من يحلم بعمل وطني صادق لبلده وأمته.
كان من الممكن للقوات الأمريكية أن تسقط نظام صدام دون أن تدمر البلد عن آخره وخاصة معالمه الحضارية وآثاره وعلمائه ومثقفيه وبنيته التحتية، لكنها أمريكا، ما يهمها ألا يتكون جيل قادر على التفكير والتخطيط للمستقبل ومعارضة الهيمنة الغربية، أوربية كانت أم أمريكية أم صهيونية.
من يعتقد أن اغتيال الرئيس صدام كان من أجل الديمقراطية في العراق أو لأنه ديكتاتور كما يقال فهو واهم ومخطئ، فكل الأنظمة التي تدعمها الولايات المتحدة وأوربا في منطقتنا هي ديكتاتورية ومستبدة، هل تذكرون خيمة القذافي في قلب باريس؟ اغتيل صدام لأنه كان صاحب مشروع وطني اقتصادي وسياسي وعسكري وثقافي، ولم يكن يجمع أموال النفط في البنوك الغربية.
ما أردت قوله أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة لا ولن يقبل بوضع يكون فيه أي حاكم مصدر تهديد لسيطرتهم الاقتصادية وهيمنتهم السياسية والعسكرية أو أن يهدد وجود إسرائيل، ولن يقبلوا بأن تكون لدى أي دولة سياسة اقتصادية وتنموية مستقلة.
لا باس أن يكون لدى السعودية مليارات الدولارات شرط ألا تستخدم خارج إطار رغبتهم وتخطيطهم وعلى أن تتكدس في بنوكهم يستعملونها كما يشاؤون، ويمكنهم ابتلاعها في أول أزمة اقتصادية يفتعلونها.
بإمكان الجزائر أن تخزن مليارات الدولارات في البنوك الغربية ولكن لا بأس أن يكون نصف شباب الجزائر عاطلا عن العمل ولا يحلم إلا بتجاوز البحر إلى الضفة الأخرى من المتوسط هربا من الفقر والظلم.
كلن القذافي يخزن الملايير في بنوك أوربا وأمريكا ولكن كان الليبيون يفتقدون لأبسط مقومات الحياة الكريمة. كان مسموحا للقذافي أن يهدر أموالا طائلة في حروب ونزاعات لا تعني للغرب شيئا سوى أنه كان يبيع الأسلحة للجميع.
الغرب لا يخاف من تجميع الثروة ومن المليارات التي يملكها كثير من العرب فهي موجودة في بنوكه، ما يخيفه فقط هو استخدام تلك الأموال في بناء الانسان الواعي القادر على التفكير والإبداع.
لا يضير الغرب في شيء أن يحكم عسكريون دكتاتوريون مستبدون، أو ملوك ورؤساء على حافة الموت، بل بالعكس فهو يدعمهم ويشجعهم ويحميهم، لا يهم أن يقتل مئات الآلاف من العراقيين والسوريين والليبيين واليمنيين والمصريين، وأن يهجر الملايين منهم وأن تدمر مدن بكاملها وأن تتقطع سبل العيش بأجيال من الأطفال، هو يعرف القتلة ويدعمهم في العراق ويسكت عنهم في سورية ويسمح لإيران بالتهام اليمن كما التهمت العراق ولبنان وسورية، كل ذلك لا يهم مادامت النتيجة إرجاع أهل تلك البلاد مئات السنين إلى الوراء وقطع سبل التحرر والتقدم عليهم لمائة سنة قادمة على الأقل بإشعال حروب طائفية وإثنية ،حروب لا يعرف أحد مداها ولا متى تنتهي.
إن الوضع الذي وجد العرب أنفسهم فيه لم يكن محض صدفة بل هو نتيجة منطقية لتحالف الغرب بكل ما يملكه من إمكانيات فكرية وعلمية وتكنولوجية وعسكرية، مع طبقة من الحكام العرب الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم لهذا الغرب المنافق. الطرفان يشنان حربا بلا هوادة ضد كل مفكر ومثقف وطني، ويعملان سويا لمنع ظهور أي حركات فكرية منظمة تنهج نهجا وطنيا مستقلا وتعمل مخلصة لمصلحة أوطانها وشعوبها، وإن على من يتراكضون الآن من سياسيين في بلدان “الربيع العربي” ـ والسوريين بشكل خاص ـ لكسب ود أمريكا والغرب عامة لتمكينهم من سلطة فارغة، أن يعيدوا حساباتهم إن كان بهم قليل من حياء ومن إخلاص.
أهداف الغرب واضحة بكل تفاصيلها، فعلى كل وطني عربي، أن يفكر بطريقة ما للرد، أن يبتدع ويضع تصورا لكيفية التعامل مع كل تلك المخاطر، أن تتضافر الجهود وتتلاقى الإرادات لوضع برنامج عمل وطني على المدى المتوسط والبعيد لنثبت للعالم أننا لا نملك البترول فقط ولكن نملك الأفكار، والأفكار الوطنية على وجه الخصوص، وان بإمكاننا أن نواجه تلك الهجمة الشعواء بإمكانياتنا الذاتية وأن نسقط الأنظمة المستبدة المجرمة بتفاعل القوى الوطنية ومشاركتها في معركة الحرية والكرامة والعيش المشترك لكل أبناء هذا الوطن ممن انتهكت حرماتهم وذاقوا عذاب السجون والمعتقلات ومرارة الإهانات اليومية على أيدي الأنظمة الفاسدة والمفسدة، بغض النظر عن هويتهم القومية أو الدينية أو الطائفية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.