بارتلبي النسّاخ.. أسطورة الوصول إلى الموت الحتمي

ما هو التأثير على أي إنسان قد يقرأ رسائل أناس لا قيمة لهم في هذه الحياة، عبروا دون أثر، أن تقرأ أفكارهم وحيواتهم وخصوصياتهم؟ ألا يمكن لمثل هذا الفعل أن يحوّل أي شخص منّا إلى بارتلبي جديد؟ وما الذي يدفع شخصاً للسكون؟! لعدم فعل شيء؟!

الأيام السورية؛ خالد علوش

ما الذي يدفع شخصاً للسكون؟! لعدم فعل شيء؟!.

أعترف أن بارتلبي هزّني بشدة، فتح أمامي أفاقاً من التساؤل عن مصيرنا البشري، عن طموحنا بأن يكون سقف أحلامنا – في لحظات معينة – هو الوصول لما وصل إليه.

لا نعلم ما هو أو من هو، لا نعلم من أين جاء، ولا نعلم تاريخه، لا شيء واضح في شخصه سوى مظهره وبعض الحقائق التي جرت في مكتب الناسخ، لكن هناك حقيقة واحدة على مدار المئة صفحة، أن بارتلبي في لحظة اتخاذ قراره بعدم فعل شيء، كان يتأمّل الجدار من نافذته، وعندما تم نقله للسجن كان يقف ليتأمّل الجدار الضخم. باختصار ذلك الكائن كان يدير ظهره للبشرية ويتأمّل الصمت.

في نهاية القصة يخبرنا ملفيل أن إشاعة ظهرت حول بارتلبي وهي أنه كان يعمل في مكتب الرسائل الميتة، فإن كانت تلك الإشاعة صحيحة فنستطيع أن نبني عليها السبب الذي أوصله إلى ما هو عليه.

أفكار وأحاسيس لم تصل لأناس آخرين برسائل عادت وأحرقت وانتهت من الحياة والماضي والمستقبل. أي قسوة يمكن حملها في طيات هذا الكون!. بارتلبي لم يصبح كذلك سوى لهذه الأفكار والمشاهد التي عاشها.

ما هو التأثير على أي إنسان قد يقرأ رسائل أناس لا قيمة لهم في هذه الحياة، عبروا دون أثر، أن تقرأ أفكارهم وحيواتهم وخصوصياتهم. ألا يمكن لمثل هذا الفعل أن يحوّل أي شخص منّا إلى بارتلبي جديد!. أن ندرك عمق المشاعر الإنسانية المتنوعة والمفقودة. أفكار وأحاسيس لم تصل لأناس آخرين برسائل عادت وأحرقت وانتهت من الحياة والماضي والمستقبل. أي قسوة يمكن حملها في طيات هذا الكون!. بارتلبي لم يصبح كذلك سوى لهذه الأفكار والمشاهد التي عاشها.

عالم ينهار في الخارج، والذات تسعى بكل ما أوتيت من جهد لمواكبة الانهيار للتأثير في سرعته والمساهمة بانهياره فينا وفوقنا وبنا، لكنه اتخذ الموقف المغاير، موقف الشخص الذي أدار ظهره للإنسانية وتأمّل في الصمت الوجودي لفكرة الجدار المقابل؛ الصورة الرمزية لتأمّل الإنسان لحياته ومستقبله المحتوم.

لا يريد بارتلبي فعل شيء، مما يفعله أقرانه الساعين للحياة والتهكم منها ونسيان بؤسها من خلال الانخراط أكثر في دوامة العمل والروتين والسباب عليها أو النعيم بإجازة عطلة في يوم ما. لم يشأ أن يسخّر نفسه لهذه المهزلة البشرية المقيتة والتمثيلية التافهة التي نحياها.

لقد غيّر، ذلك الكائن، في ذاتي بطريقة ما فكرة الوجود والسعي نحوه بطريقة أخرى، لم يكن لا مبالياً، بل كان شيئاً أعمق بكثير، إنه العاجز عن النطق لإدراكه اللاجدوى والتحّكم بالإنسان بصورة عبيد مطلقين، إدراكه الجوهري للحتمية الوجودية للموت.

جميعنا ندرك الموت لكن ليس بطريقته، إننا نحيا لنصل إلى لحظة النهاية ثم لا شيء مثير، لكنه كان يغوص في فكرته إزاء النهاية، الموت بالنسبة له هو الجزء الجوهري ليس لفكرة الموت فقط بل لفكرة الإنسان الذي لا ينتبه للموت، فكرة البشريّ الغارق في حياة كاملة دون إعطاء أي قوة لأفكاره سوى بمعناها العابر.

لو كان بارتلبي متكلماً فصيحاً لقدّم لنا أعمق الأعمال الفلسفية والتي تضاهي نيتشه وشوبنهاور حول عديمة الأشياء وحتميتها، لكنه فقير بائس وشاحب ووحيد في هذا الكون، ومدرك بروح الإنسان الحقيقي شيئاً أوصله لذلك، شيء لم يخبرنا عنه ملفيل سوى كإشارة بسيطة أنّ بارتلبي كان يعمل في مكان ميت أصلاً ليدرك مشاعر الهامشيين في هذه الحياة.

يمكن لنا اكتشاف النقيض منه بالنسّاخين الثلاثة في المكتب، طغيانهم ونفورهم هيجانهم وأزامتهم واستغراقهم في العمل من أجل بعض الحياة المثيرة للشفقة.

لو أتى اليوم ووقف بيننا وتأمّل كل مفرزات البحث عن الأشياء المنتهية أصلاً بشكل حتمي؛ شاهد ردود أفعالنا ومحاولة تهكمنا على أنفسنا ونقاشاتنا وطريقة أفكارنا وبطريقة أخرى خداع الذات للوصول إلى معنى الأشياء التي لن تُعرف أبداً في هذا الكون الوجودي الفسيح، فما سيفعل فعلياً!. بالتأكيد سيقف وظهره لنا ويتأمّل الجدار، بينما نملؤه نحن بكم هائل من السخريات اللاذعة بأنه لا يعرف كيف يحيا، إنه شبح ميت لا فائدة منه، لأنه بالنسبة لنا ندرك شيئاً عميقاً بأن هذا العالم لن يتغير إلا بالمحاولة، لكننا بالمقابل نتناسى بأنه أصلاً لن يتغير، لا بقانون الطبيعة العشوائي، ولا حتى يقوانين الله، حتى الله غير مستعد أن يتدخّل بعد انتهاء النبوءة ليغيّر لوحه المحفوظ.

ذلك الكائن أعمق من الجميع، إنه مدرك لحتمية الأشياء ونهايتها دون فعل شيء.

وعلى جانب آخر يمكن لنا اكتشاف النقيض منه بالنسّاخين الثلاثة في المكتب، طغيانهم ونفورهم هيجانهم وأزامتهم واستغراقهم في العمل من أجل بعض الحياة المثيرة للشفقة، بارتلبي مثير للشفقة لكن الأحياء الساعين بكل ما أوتوا من قوة لا يختلفون أبداً بالشفقة عليهم منه.

وكما قال ملفيل في نهاية القصة: آه يا بارتلبي، آه أيتها الإنسانية.

غلاف الرواية(العربي الجديد)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.