بات حلماً أن تنال صفة لاجئ.. عن العنصرية تجاه السوريين في لبنان

يبدو من الصعب جداً إسقاط النظام الطائفي في لبنان دون إسقاط النظام السوري وبناء نظام ديمقراطي علماني في سوريا، يبني علاقة سليمة مع جيرانه اللبنانيين، فالتداخل الاثني والسكاني والطائفي والروابط التاريخية كلها تدفعني لقول هذا الكلام.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

نظرياً يبدو أن صلاحيّة الطبقة الحاكمة اللبنانية قد انتهت لكنها مع ذلك مستمرّة بإدارة أزماتها منذ زمن بعيد. ومنذ انفجار مظاهرات لبنان التي كان شعارها الأبرز “طلعت ريحتكم” تفاءل الناس خيراً ببداية تزعزع هذا النظام، لكن حقيقةً كانت رائحة هذه الطبقة طالعة منذ الحرب الأهلية اللبنانية التي تسببت بواحدة من أكبر الكوارث الإنسانيّة في الشرق الأوسط، لكنها مع ذلك استمرت في الحكم، ربما ببساطة لغياب بدائل قوية مدعومة جماهيرياً ومتبلورة.

نعم بقيت العقلية الطائفية مستمرة بين عدد غير قليل من اللبنانيين، لبنان عمليّاً يعيش حالة استعصاء وتفسخ منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، ولا يجدي كثيراً أن يعيش الإنسان بين أفراد طائفته وينتخب من طائفته ويرى بعضاً من شيوخ طائفته زعماءً سياسيين ويرى بكواتها قادة، ثم يقول أنا ضد الطائفية ويحاول تجنّب اشتعال الحرب الأهلية مجدداً، دون أن يقضي على أسبابها في عقله ووعيه، ونمط وجوده.

يخطئ من يعتقد أن كلّ المحتجين في الشارع اللبناني الذي خرج ضد السلطة الحاكمة قد قطع مع الطائفية أو أن جميع المتظاهرين يقفون موقفاً مختلفاً من اللاجئين السوريين، هذه مثالية ورؤية غير واقعية، الطائفية والعنصرية التي ترسخت في المجتمع اللبناني لعقودٍ من الزمن، من المستحيل تجاوزها قبل إرساء نظام جديد وعمل دؤوب.

لا يمكن تجاوز الطائفية دون صناعة خطاب يجابه الخطاب الطائفي المعادي ولا يجامل “ولا يُبوّس الشوارب” كما يقول التعبير الشعبي. لبنان لا يحتاج دولةً مدنية هو يحتاج دولةً علمانية، وهو يحتاج إلى دولة ترفع الظلم عن المرأة وتسمح بزواج مدني يتجاوز الطوائف، فهو بقناعتي الضربة الأكبر للنظام الطائفيّ، ولبنان يحتاج إلى عدالة اجتماعية تدعم الفقراء، ولبنان يحتاج إلى قوانين تعاقب وتجرّم العنصرية، وإلى نظام تعليمي يلقّح الطلاب ضد العنصريّة، لبنان بحاجة إلى إنهاء التمييز الجنسي، فكما تلاحظ بذكاء السيدة رانيا المصري فإن خطاب العنصرية والتمييز الجنسي ينطلقان من ذات العقلية والآليات المعرفية *.

لبنان عمليّاً يعيش حالة استعصاء وتفسخ منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، ولا يجدي كثيراً أن يعيش الإنسان بين أفراد طائفته وينتخب من طائفته ويرى بعضاً من شيوخ طائفته زعماءً سياسيين ويرى بكواتها قادة، ثم يقول أنا ضد الطائفية.

دون شك هناك لبنانيون يريدون القطع مع الطائفية وخطابهم إنساني تجاه اللاجئين، لكن بالمقابل هناك موقف آخر متعاطف تجاه اللاجئين السوريين جاء في كثير من الأحيان بناء على تمترساتٍ طائفية ومثل هذا التعاطف المبني على أساس طائفي لا يعوّل عليه كما هو الحال مع الشيخ الأسير والمغني فضل شاكر بل إنه يلعب وفق قواعد اللعبة ذاتها ويديمها.

يجمع المجتمع اللبناني مزيجاً فريداً مركباً من العنصرية والطائفية والطبقية، فهناك أولاً نزعة عنصرية استعلائية بدأها قادة المارونية السياسية مبكراً بعد نشوء دولة لبنان، من خلال خطاب أسطوري يرجع باللبنانيين إلى جذور فينيقية، ويبعدهم عن مجمل الدول العربية بل وحتى جيرانهم السوريين الأكثر تشابهاً عرقياً وثقافياً ولغوياً معهم بل إن المفارقة أن معظم المارونيّين فروا من حلب هرباً من الاضطهاد إلى لبنان، وثمة عوائل لبنانية شهيرة في عالم السياسة تعود بأصولها إلى سوريا، وبأسلوب يشبه الشطح ربط هذا الخطاب الماروني بين لبنان والحضارة الأوربية!، وشخصياً لا أعتقد أن الخطاب القومي العروبي الذي لا يتفهم تعقيدات التركيب السكاني الاثنية والطائفية أقل ضرراً من الخطاب الماروني رغم أن هذا الخطاب يتفاخر بأنه يريد الارتباط بمحيطه العربي.

والمشكلة أن هذا الاستعلاء على المحيط والدول المجاورة ليس حكراً على المارونية السياسيّة، بل هو منتشر بين عدد غير قليل من اللبنانيين من طوائف مختلفة، ثم يأتينا تقسيم بعض اللبنانيين شعوب العالم إلى ما هو أدنى وأعلى. في أدنى الهرم تأتي الدول التي تأتي منها الخادمات المنزليات كالفلبين وأثيوبيا ( وربما الدول الأفريقية التي يوجد فيها مستثمرون لبنانيون كثر ) فحالات تعذيب وقتل الخادمات وانتحارهن سنوياً ** جعلت المجتمع اللبناني واحداً من أسوأ دول العالم من حيث منسوب العنصرية ودون شك هذه العنصرية ممتزجة بنزعة طبقية استعلائية أيضاً، تمارس داخل المجتمع اللبناني بين اللبنانيين أيضاً )كمزيج النظرة الطائفية والطبقية الذي عانى منه الشيعة تاريخياً ) لكنها تبلغ درجة عالية من التوحّش تجاه هؤلاء العاملات الفاقدات للحماية، كما يذكر جميع الطلبة السود الذين درسوا في لبنان أن بعضاً من زملائهم الطلبة في الجامعة مارسوا بحقهم ممارسات عنصرية، كأن يرفض أحدهم الجلوس بجانبهم بسبب لون بشرتهم.

أما فيما يخص العنصريّة تجاه اللاجئين السوريين، فلكي نكون واقعيين لا بد من الإقرار بأن أي دولة في العالم تستقبل كل هذا العدد الضخم من اللاجئين مثل لبنان من الصعب عليها تجنب ظهور إشكالاتٍ عنصرية، لكن ما أريد أن أنتقده هو هذا الخطاب الذي يريد تبرئة المجتمع اللبناني من العنصرية من خلال توسّل خطاب اقتصادي تبسيطي غير مفيد كثيراً يرجع كل شيء إلى وجود أزمة اقتصادية، صحيح أن العنصرية تزداد في حدتها وكثافتها أوقات الأزمات الاقتصادية لكن العوامل الاقتصادية من النادر أن تخلق شيئاً من العدم بين عشية وضحاها، ومن المهم فهم كيفية اشتغال العامل الاقتصادي حسب بيئة كل بلد، فمثلاً في تركيا تبلغ نسبة الرافضين لوجود السوريين ما يقارب ٧٠ بالمئة من السكان، ويمكن أن نتحدث عن دور تحريضي لأحزاب المعارضة وعن أزمة اقتصادية، لكن ثمة عامل أساس يلعب دوره وهو وجود خطاب قومي أحادي عن الهوية تأسّست على أساسه تركيا الحديثة يقوم في جزء منه على ضرورة الابتعاد عن العرب الذين يمكن أن يؤسلموا تركيا، ويرفض التنوع القومي في تركيا، وبعد مضي ما يقارب قرن من الزمان، صار لهذا الخطاب ميكانيزمات ذاتية الاشتغال كما يحدث الآن تجاه السوريين، ربما يقود تحسن الوضع الاقتصادي إلى تخفيف حدة العنصرية لكنه لن يستأصل بيئتها الحاضنة وأسبابها، فالمطلوب مشروع سياسي اجتماعي جديد يقوم على التنوع في الهوية للتخلص من هذه المشكلة التي ستطل برأسها في كل منعطف وأزمة.

إن مربط الفرس في العنصرية تجاه اللاجئين السوريين في لبنان ليس في لون بشرةالسوريين ولا لهجتهم ولا نمط ثيابهم، ولا دينهم، ولا عربيّتهم أو فينيقيّتهم، بل في عقول عششت فيها الكراهية والطائفية والاستعلاء وسيلةً لحل أزمات الذات الهشّة المهزومة.

وفي الحالة اللبنانية تبدو المشكلة أسوأ فلا إرث دولتي ولا إرث مؤسّساتي كما هو الحال في تركيا، ومن السهل جداً على السياسيين اللبنانيين مهاجمة اللاجئين السوريين في حالات البطالة، ونقص الخدمات الأساسية بسبب وجود بيئة اجتماعية تسهّل العملية، ولعدم وجود حد أدنى من المعاقبة والمحاسبة، أذكر هنا مثلاً أن بلدية مدينة أنطاليا التركية أصدرت قراراً يمنع السوريين من دخول الشاطئ، ولكن القرار لاحقاً أبطل من قبل المحكمة الدستورية العليا لأنه مخالف للدستور، أما في لبنان فهناك عشرات الممارسات والقرارات المخالفة للدستور تجاه السوريين في كثير من البلديات ) كمنع التجول للسوريين في ساعات محددة من قبل بعض البلديات وحالات طرد جماعي في حالات أخرى ) ولم يحاسب أحد، كما أن التبرير القائل بأن جيش الأسد وممارساته هما السبب في كراهية اللبنانيين للسوريين هو أيضاً هروب من المشكلة الأساسية، ذلك أن جيش الأسد كان دوماً شريكاً مع أطراف لبنانية في الإجرام والتنكيل باللبنانيين، ثم إن كثيراً من مجرمي الحرب الأهلية قادةً ومقاتلينً يواصلون حياتهم بشكل طبيعي بين اللبنانيين ولا يثيرون حساسية كبيرة كتلك التي يثيرها اللاجئون السوريون.

وأضيف أنه من الصعب جداً إسقاط النظام الطائفي في لبنان دون إسقاط النظام السوري وبناء نظام ديمقراطي علماني في سوريا، يبني علاقة سليمة مع جيرانه اللبنانيين، فالتداخل الاثني والسكاني والطائفي والروابط التاريخية كلها تدفعني لقول هذا الكلام. إن مربط الفرس في العنصرية تجاه اللاجئين السوريين في لبنان ليس في لون بشرة السوريين ولا لهجتهم ولا نمط ثيابهم، ولا دينهم، ولا عربيّتهم أو فينيقيّتهم، بل في عقول عششت فيها الكراهية والطائفية والاستعلاء وسيلةً لحل أزمات الذات الهشّة المهزومة، ولولا ذلك لصار السوريين لاجئين، لاجئين فقط لا غير، ولربما هي أكبر نعمة أن تُمنَحَ صفة لاجئ وأن تُعامل كلاجئ بعد أن طردت من وطنك!.

صورة تعبيرية (نون بوست)

عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانيّة.


الهوامش والإحالات:

* من جلسة حوارية عن العنصرية في لبنان
** في الرابط أدناه فلم وثائقي يتحدث عمّا تتعرض له العاملات المنزليات في لبنان

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.