من كتاب عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (21)

101
علي ابو دهن :عائد من جهنّم …ذكريات من تدمر واخواته

—— 104 ——
وتدافعنا هربا من الغضب… فتلقينا الركلات والضرب من جديد. طبعا كنا ننتظر العقاب،
فراح السجناء لشدة الخوف يطلقون الريح حتى باتت الرائحة لاتطاق…
كالعادة، المعركة غير متكافئة، ونلنا نصيبا من القصاص، لا يحمينا غير الصلاة والدعاء إلى الله
الذي لم يتمكنوا من نزعه من صدورنا…
انهالت على أجسادنا المرتعدة الكابلات من كل صوب، وتبعتها قضبان الحديد 6 ملم… ثم جاء
رفيقنا المضرب عن الطعام. رفسه الرقيب وصاح به:
– افتح فمك!
وأمر رئيس المهجع بإطعامه، دون جدوى… عندها سأل الرقيب السجين عما يريد، فأجاب
بصوت تخنقه الحسرة ويخرجه الهلع ودون تفكير:
– أن تنقلني من هذا المهجع، وأن يزورني أهلي…
– بس هيدا مطلبك؟
– … ولا أريد الخروج إلى التنفس.
– والله والله ثم والله، ( قالها الرقيب ثلاث مرات )، قسم عظيم عندي، رح حققلك مطاليبك،
بس بدي تفتح عينيك وتشوفني لأني أقسمت يمينا… افتح عينيك وشوفني، بس اشرب نقطة مي
وبكرا بنقلك إلى غرفة تانية… وسوف أرسل كتابا إلى إدارة السجون كي يسمحوا لك بالزيارات..
يلا حبيبي اشرب…
——105——
وشرب السجين… ففك إضرابه بوعد كاذب… فلا نقله ولا زاره أهله.
والسجان الإنساني لايخدم في تدمر. فدورة الحياة الجهنمية في حبسهم هناك تتطلب أناسا آليين،
مجردين من القلوب يدارون بآلات التحكم عن بعد. وكيف يضرب إنسان أخاه حتى الموت إن لم
يكن مغمض العينين معدوم الإنسانية؟!
وجاء دور رئيس المهجع من جديد، فأمره الرقيب بأن يركع عاري الصدر… كنا نتخيل ما يحدث
من دون أن نراه، لأن أيا منا لم يجرؤ على رفع عينيه خوفا من الرقيب، أو ذعرا من المشهد…
من يدري، فالأمر واحد… وصاح الرقيب:
– جيبولي صباح… بدي خليها تزلغطلك، هيدي نفسها طويل ورئتان قويتان.، ( وصباح، كما
سبق وذكرنا كابل من الكابلات يسميه كل كما يريد ). ثم نادى الشرطي:
– جبلي لقمة الخبز اللي معك!
– سجين، افتح يدك وحط هاللقمة بتمك…
أحس السجين بمادة لاتشبه الخبز، كائن صغير مدور، فارقته الحياة على الأرجح منذ مدة لا بأس
بها… ورائحته نتنة جدا…
– ابلع هاللقمة من دون ما تمضغها.
امتثل السجين، ومالبث أن أحس بأن << اللقمة >> أكبر من أن تمر في زلعومه… فأخذ يشهق
بحثا عن الهواء، وبدأ نفسه بالانقطاع.
——106——-
سمعنا السياط ترسم خطوطها على ظهر زميلنا، ولعل الرقيب والشرطيين لم يعرفوا كيف يردون
الهواء إلى رئتي السجين بحضارة أكبر…
جلدوه300 مرة، حتى بات لونه كحليا اختلطت زرقته بسواد الاختناق إلى احمرار الدماء
المتخثرة في عروقه لشدة الضرب… هذه المرة لم يقصدوا سوءا… أرادوا فقط معاينته ليبلع
لقمة الفأرة الميتة، وجبته الأولى الكاملة الدسم منذ سنوات طويلة… فعلا، لم يقصدوا سوءا وهو
يشهق…
وسمعنا الرقيب يصرخ:
– اترك رجلي ولاه، اترك رجلي عم قلك ولاه!
قدرنا أن تكون الفأرة وصلت إلى باب معدته، ولكن استمرار شهيقه أوحى لنا أن ذيلها كان
لا يزال عالقا في مجرى الهواء… وعلمنا من تغير نبرات صوته الأجش أن مكروها لا بد أصاب
أوتاره الصوتية، حين راح يصرخ:
– مي ، مي.
سمعنا قرقعة كأن انفجارا وقع في معدته عندما ناوله الرقيب كوب الماء، تلاه تقيؤ وإعياء
شديدان. أمرونا بالعودة إلى المهجع، فدخلناه كخراف تسرح بينها الذئاب ، بطريقة عشوائية
سادها الرعب والفوضى… قصة زميلنا نزار حلاق التي فاقت كل التصور والعقل،
——107——
حتى إنها تجاوزت قصتي مع العصفور الميت وال17 صرصورا… حتى قصة زميلنا نافذ
عبدالله الذي أكل براز الهرة يابسا. عندما دخل نزار إلى الغرفة رأينا ظهره الملون كقوس قزح
والدم ممزوجا بماء يسيل من تحت جلده، وعينيه بارزتين وكأنهما على مستوى جفونه،
فمه مدمى من أثر جرح في بلعومه، وركلة على خده، فجرح في البلعوم وآخر داخلي من خده…
لاصوت له. اختفى كليا. تلاحظ وتفهم عليه، من دمع عينيه، المنساب منهما باستمرار يومئ لك،
و أنت أمام هذا الإنسان المنتهكة كامل حقوقه لا يسعك إلا أن تشاركه البكاء والصلاة والدعاء لله
بأن يتجاوز محنته في أسرع وقت ممكن، وتكرر الصلاة بأن يبعد عنك مثل هذه المحن…
بقي زميلنا من دون صوت، ولزمه خمسة أيام حتى يشفى بلعومه وأصبح يتقبل لقمة الخبز
الممزوجة بالماء، والتفاحة المطحونة والمدقوقة و الناعمة… لكن مسحة الحزن لم تفارقه أبدا.
و أطلق عليه الرقيب الكلب اللئيم اسم: الفأرة. وعليه الإجابة ب<< حاضر حضرة الرقيب!>>.
بقي نزار حلاق يتقيأ لأكثر من ستة أشهر، يرفض الطعام، أسعفناه بما تيسر، فامتنع المهجع
بأكمله عن تناول الفاكهة، متنازلين عن حصتنا كرمى لصحة زميلنا المتدهورة. تورمت رجلاه
ومرض… ومن العوارض التي أصابته : تورم دائم في رجليه ويديه بحيث لم يعد يستطيع وضع
رجليه في الحذاء ولاحتى المشي. مرض في أمعائه شبه دائم وتمر أيام عدة لا يتقبل فيها الأكل
أو حتى المياه، يتقيأ كل مايدخل معدته… باختصار عاش مع الدواء، ذبل،خسر الكثير من وزنه،

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.