عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (20)

أمر مدير السجن نائبه بأن يأتينا بأحدهم فجاء السوادي، وهو طبيب سوري موقوف من الإخوان المسلمين، الذي أعطي للمرة الأولى صلاحية عليا وهي فحص المرض وتشخيصه.

ذكريات من تدمر واخواته، باب الهجرة الى الجحيم: من بيروت الى السويداء

——99——
هم لا شيء هكذا كتب لنا. ونحن مؤمنون وأنا عاهدت نفسي أنني إذا كتبت لي الحياة
سأكتب مذكراتي وأنشرها ليعرف العالم بأسره الحضارة والأخوة التي مارسها نظام البعث
وبذلك يكون عقابهم الكبير في الدنيا، و إن الله يمهل ولا يهمل.
على غير عادة فتح باب المهجع الساعة السادسة صباحا. وكان مدير السجن ونائبه وطبيب
السجن العسكري يقفون قبالته. فنادى المدير المسؤول الصحي ورئيس المهجع، ثم أمر اثنين
من السجناء بإخراج المريض للمعاينة من قبل طبيب السجن، وبعد فحصه
قال: أدخلوا المريض الآن، وسينقل في وقت لاحق إلى المستشفى.
أدخلنا الشهيد إلى المهجع ثانية وتجمهرنا حوله لا نعرف ماذا سيحل بنا أو به.
سأل مدير السجن الذي طبعا اقتنع بأنه ميت.
– كيف حدث ذلك؟
فأجبناه كما أمرونا، وقلنا إن حسن وقع داخل الحمام ومات.
– وهل نحن أو أحد الرقباء قصر معكم؟
– لا، هذه حياته لحد هون وبس…
– ماعندكم طبيب؟
– لأ، سيدنا.
فأمر مدير السجن نائبه بأن يأتينا بأحدهم فجاء السوادي، وهو طبيب سوري موقوف من
الإخوان المسلمين، الذي أعطي للمرة الأولى صلاحية عليا وهي فحص المرض وتشخيصه.
——100——
واشترط أن تلبى كل مطالبه من دواء و أكل. وكان الالتهاب بدأ يتفشى بيننا، فأصيب سبعة
وتسعون سجينا من المئة وخمسة.
علق المصل للمعتقلين كافة، وحظينا للمرة الأولى بالشاي الساخن مع كميات كبيرة من
البطاطا المسلوقة بمعدل رأس واحد لثلاثة أشخاص. أما حسن هوشر فأخذوه من المهجع
عند السابعة والنصف. وعلمت في ما بعد أن الجثة سلمت إلى ذويه ومنعوا حتى من فتح
النعش. بعد انقضاء عشرين يوما انحسر المرض بفضل هذا الطبيب الشجاع الذي جابه
كل الرقباء وطلب الأدوية التي يحتاجها. ومن يومها بات عندنا في المهجع سائل تطهير
للجراح، شاش، أكياس مصل والكثير من الأدوية. والحق يقال إنها أهدأ فترة عشناها
في سجن تدمر اللعين حيث ارتحنا من الضرب واللكم والرفس والكرباج للمرة الأولى
وحل مكانها الشتم المتواصل وتعييرنا بالوسخ وقلة النظافة.،
( علما أن الصابون كان من الممنوعات أحيانا ).
الأكل
تتفاوت حصة الطعام اليومية للشخص الواحد وفق مزاج الرقيب الموزع، وتبعا لبعد المهجع
عن مركز الطعام. ويوجد في سجن تدمر المسكري السياسي 7 باحات في كل واحدة منها
7 أو 8 مهاجع. وللباحة باب حديدي وسور يفتح على الباحات الأخرى، ما خلا الخامسة
حيث الزنزانات المنفردة ة والمزدوجة.
——101——
في كل مزدوجة خمسة مساجين وتحتوي سريرا من الباطون بعلو 40، وعرض 70
وطول 200 سم، وجورة لقضاء الحاجة مع حنفية مياه.
أما مهجعنا في الباحة الثانية فتقسم حصته من الطعام كالآتي: ثلاثون بيضة مسلوقة مع إبريقين
من الشاي البارد للفطور… للسجناء ال125…! ووجبة الغداء جاط من البرغل مع جاط من
المرقة، فتكون حصة الفرد بذلك ملعقتين من كلا الصنفين. وفي المساء بطاطا مسلوقة،
بمعدل رأس واحد لأربعة أشخاص، أو نصف كاسة من الشوربة… وهي كناية عن بعض
حبيبات العدس المجروش بالسوس الذي فيه… كنا لا نأكل اللحمة إلا أيام الأربعاء، والأعياد
الرسمية حيث يأتون لنا بفروج واحد لكل أربعين سجينا على أن تكون وجبة الغداء في الأربعاء
الذي يليه عشرين غراما من اللحمة للفرد. وتنص قوانين السجن في سورية على ألا تقل حصة
الفرد من اللحمة أسبوعيا عن ال80غ. مقابل 160غ. من المرقة مع بيضة واحدة. أما الفاكهة فلا
تصلنا إلا مرة كل أسبوعين، بمعدل تفاحة أو برتقالة واحدة لكل 5 مساجين، وقد تكون بطيختين
للسجناء ال125… نوزعها بالعدل والحق كما توزع جوائز اليانصيب. فيدير أحدنا بوجهه عن
الحصص ويسمي صاحبها دون أن يعرف للقطعة حجما… وهلم جرا. في الأعياد الرسمية
تستبدل الفواكه بالحلويات. وحرصا من أرباب السجن على صحتنا لم تبلغ حصتنا من السكاكر
ال20غ. مخافة داء السكري…! والكوليسترول! أما مياه الشرب فمتوافرة بكثرة، غير أنها كلسية
وساخنة نظرا إلى وجود القساطل فوق سطح المعتقل حيث تضربها حرارة الشمس.
——-102——
لهذا، لاتجد أجساما ممتلئة بيننا. ولو أراد أحدهم تخفيفض وزنه لفقد ما لا يقل عن ثلاثين كلغ.
في أقل من ثلاثة أشهر…! ويتراوح وزن السجين في تدمر بين 45 و 70 كلغ.
وطبعا النسبة الكبرى هي 60 كلغ. وأقل…
إضراب جائع عن… الحياة
تجرأ أحد المساجين يوما على الإضراب عن الطعام… لا لشيء سوى أنه سئم البقاء معلقا بين
الحياة والموت. فقرر أن يختار. ولم يعلن عن قراره إلا بعد مضي ثمانية أيام من دون مأكل
أو مشرب. وفي تدمر، كنا نعيش إضرابا جبريا مستمرا، نظرا إلى رداءة الطعام وقلته.
وكانت الإدارة هناك تتعمد تجويعنا في عملية اغتيال منظمة، فتزودنا بأقل مايمكن لتمد في
أعمارنا التي قصرها الإذلال…
راح زميلنا المضرب يترك حصته المؤلفة من خمس بيضة مسلوقة وملعقتي برغل مع المرقة
وربع حبة بطاطا، ومضى مصمما بقوة غلبت ضعف إنسانيته حتى لم يعد يقوى على النهوض.
وخاف رئيس المهجع، واسمه نزار الحلاق، من العقاب فيما لو اكتشف الرقيب حال زميلنا
المتردية يوما بعد يوم. وعبثا حاول إقناع الزميل بالعدول عن الموت…هدده بفضح أمره إذ لو
مات أو عاش فالأمران سيان بالنسبة إليه… ولم يقدر الحلاق على كتم الأمر أكثر،
فاتفق مع جميع من في المهجع على أن يقولوا للرقيب إنهم لم يدركوا مشروع السجين المضرب،
——103——
فيعفى رئيس المهجع من القتل ضربا وتعذيبا… فقلنا إنه كان يرمي الطعام في الحمام.
إعلن الخبر… وجاء وقعه على الإدارة كخبر فرار أحد منا… كارثة وضربت جدران تدمر.
وعلا الصراخ: << كيف يجرؤ كلب مسعور على الإضراب عن الطعام؟ وفي تدمر؟ الأكل
لا يكاد يشبع هرة شبعانة! ونحن نعطيهم هذا القدر كي لا يفكروا في الإضراب… سيرون،
أما هذا الشرم… رئيس المهجع فحسابه عندي. عيناه في منصبه المحترم ليكون مخبرا…
رح نفرجيه نجوم الظهر>>.
وقع علينا كلام الرقيب من الخارج وقعة الرعب، ممزوجا بصفير السياط الذي سمعناه من خلف
الباب. أحسست بأني لن أقوى على تحمل الهلع والتهديد، فرحت أصلي في الديانات كلها،
أطلب إلى الرب أن يخلصني من عذابي.
فتح باب الزنزانة فجأة، وتجمد الدم في عروقي، وكأن قلبي توقف عن العمل فجأة، لم أشعر إلا
برفيقي يشدني نحو الحائط لنختبئ من الرقيب. يرموننا بين أنياب الموت… يعذبوننا… يجلدوننا..
بالسياط، والعصي والكرابيج، وبالحجارة يرجموننا، بالماء والكهرباء… ونجرؤ نحن على العيش
لعنة الله عليهم.
– << الكل لبرا! وضع تنفس ولاه عر…! >>.
خرجنا كما لم نخرج يوما، فلا خمسات ولا من يحزنون،

 

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.