باب الهجرة إلى الجحيم

علي أبو دهن

عائد من جهنّم
ذكريات من تدمر واخواته

من بيروت الى السويداء

——153——
لا أدري كيف قال أو أمر عطية: سمعت شو قال علي يا عطية؟ من دون كلبشة، حرامان زيادة، أعطه حبة أسبيرين كل 4 ساعات. أجبت شكرا سيدي.
قال: ستذهب إلى البيت ياعلي، ما في شي عليك عنا.
قلت: 13 سنة شو صار فيها؟
قال: مع الأسف ما إلي دخلة فيها. اشكر ربك زمطت. بس بكل الحالات أنت ستكون تحت  المراقبة الدائمة، لا شمال ولا يمين مفهوم يا علي؟
– ولو سيدنا، طيب فيك من فضلك تعطيني ورقة إني كنت في سجن في سورية 13 سنة.
– طبعا لا.
قلت: حاضر سيدنا، بس روح على البيت. و الله كريم ما بعمل إلا يلي أنا راسمو بفكري. شكرا. وخرجت وعدت إلى مكاني على الفرشة ولم أر وجه المحقق أبدا. لكن، إذا سمعته أعرفه  حتما. لم يكبل يدي ووضع حراما فوق رجلي. تساءلت هل أجبته صح أم كنت ناشفا بأجوبتي؟
هل كانت مقنعة؟ كان يجب أن أقول له إني كنت من سنة 75 إلى سنة 80 في حركة الشبيبة  اللبنانية مع الباش مارون خوري في الداكونة. وكان يجب أن أعترف بأنني لم أقابل رئيس وزراء ولا رئيس أركان إسرائيليا. ليش مين أنا حتى أتقابل معهم؟!
تمددت وأكملت الجولة حتى صحوت مساء وقت العشاء. سندويشات، طون، لحمة، روستو؟
شو بدك؟ أجبت: لا شيء فقط ماء.
——154——
قال عطية للجميع: كلوا طون طيب!
لم آكل. نمت نوما عميقا ومرتاحا. لم أدر لماذا أعطاني كلام هذا المحقق أملا بأني سأكون حرا بسرعة.

بقينا يومين موقوفين في اليرزة، الوقت مر ببطء ولكن لم نتعرض إلى أية إهانة أو كلمة تزعج، طبابة، أكل، معاملة جيدة… عند التاسعة صباح 14 كانون الأول نادوني مع 13 من رفاقي.

ذهبنا إلى غرفة الأمانات واستلمنا أغراضنا.

إلى السيارة مكبلين مطمشين. بقي أبو هيثم، جمال كرارة، في وزارة الدفاع. فورا إلى نظارة أو سجن قصر العدل. مع كل الزمامير والهيصة والعيطة من الشرطة العسكرية لفتح الطرقات أمامنا، كنت أتخيل من منعطفات الطرق أين أنا.
هنا الحازمية ودوار الصياد وهنا لم أعد أعرف، طريق سريعة من دون زمامير. سألت نفسي شو طريق واسعة جديدة مابعرفا؟! ( وبعد ذاك عرفت أوتستراد الحازمية الجديد، بغيابنا أنجزوها ).

وصلنا، وفورا أخلوا لنا غرفة كبيرة. دخلنا… أمر؟ ماحدا يحكي معهم… أمانة عندكم لساعات أمنوا لهم حاجياتهم وبس. مفهوم… أجاب صوت. أمرك سيدي، وانصرف. هنا، أيضا علينا أن نسلم أغراضنا والأمانات ونأخذ وصولات بها. هذا روتين السجن. أتى الضابط أعطى أوامر صارمة إلى العسكر: ممنوع حدا يحكي معهم إلا بإذن خاص مفهوم؟ خطرين جدا.
وعند الظهر دخل علينا بعض رفاقنا فازداد عدد الموجودين في سجن العدل، أما الآخرون فلم نعرف عنهم شيئا في حينه. الضابط المناوب منع الشرطة من الاقتراب منا أو حتى الكلام معنا، لماذا لم أدر حتى الآن؟! معنا فلوس بدنا نأكل قلت للشرطي، قال: اكتب شو بدك وعطيني
الفلوس!
——155——
لشوقنا إلى رؤية الفروج المشوي كاملا، ( أي مع الأفخاذ والط…)، طلبت 11 فروجا، 4 كيلو شقف، 4 كيلو كفتة، 5 متبل حمص، كبيس، 5 بيبسي، 5 سفن آب كبار، وربطتي خبز. استغرب الشرطي ولكنه أخذ الفلوس وغاب. جهزنا السفرة، جاء الأكل. كنت الشاويش، طبعا هذا مزاح،
وبعد التوزيع المنصف أمرت الجميع بأخذ أماكنهم زالنظر إلى السفرة من دون مسها إلا عندكلمة البدء. التعليقات جاءت كما يأتي: فروج مع فخاذ! مش مارق على الشرطة السورية! لا، البلد فيها أمان، شو بيبسي؟! الله أكبر. يلا يا علووووش، ما فينا بقى نصبر. طيب روقوها شوي تصببوا عليهن هيد سفرة! يلا انتباه: 1- 2 – 3. والله ثم والله وبسرعة هائلة لم تدم سوى دقائق معدودات ومن دون كلمة من أحد! غط الحمام طار الحمام، ما بقي شي. سمعت قرقعة العظام، قلت مازحا: ولو في بسينات برا، اتركولها شوية, قال أحدهم: الكلاب سبقوهن… هاهاها.

كانت المرة الأولى التي أشبع فيها منذ 13 سنة بما فيها زيارتي عندما كانت زوجتي تجلب لي ما أشتهي ولكن كنا نتقاسم الأكل فلم أحظ مرة بنصف فروج ولا بهذه الكمية من الطعام.
كأي والد في العالم محب لأولاده كنت أنتظر دوما، بل أتوق للفرحة بزواج بناتي الثلاث، وقد وددت لو كان لي الفرصة لمشاركتهن أحزانهن وأفراحهن، وأحلامهن وكوابيسهن…حتى لم أستطع أن أقدم لهن نصيحة واحدة، أو أقول لهن هذا جيد للبس وهذا لا.

الشعر لا أحبه قصيرا اتركيه طويلا، أحب لبس الفستان أكثر من البنطلون، رحن إلى البحر أو لا ترحن، وكل هذه الصغائر أوالكبائركل ما يحدث مع جميع العائلات.
——156——

غنية كانت أم فقيرة، حدثت من دوني، لم يكن لي رأي بها. وها هن اليوم كبرن وترعرعن، ضحكن وبكين، تعلمن ونجحن و أنا بعيد، لم أر ابنتي تلبس
ثياب أختها مع ما قد ينتج عن ذلك من مشادات صغيرة محببة، ولم أضمد جراح الأخرى عندما ركبت الدراجة الهوائية للمرة الأولى… أبعدوني عن أطفالي وعدت فوجدتهن صبايا. نضجن، بالكاد تستطيع أن تفرق بينهن، أما بنت  العشرين فأكثر من أبكاني ليس لأنني أحبها أكثر من غيرها. لكن، لأنها تزوجت قبل خروجي بأربعة أشهر لا غير، ولم أكن حاضرا لتسليمها كما يفعل الآباء في مثل هذه المناسبات السعيدة،
ولم أمسح دمعتها الغالية قبيل انتقالها، إلى عريسها.
هكذا، حرمت كتلة الأحاسيس الأبوية التي ترافق الزفاف، فلم تدمع عيناي يومها ولم أبك… ولم أقبلها قبلة الوداع عند خروجها من البيت الذي ترعرعت فيه وتربت. فلا ذراعها تأبطت يدي، ولا لمست أصابعي المرهقة من عد الأيام شعرها المسرح، وفستانها الأبيض بالأحلام الوردية،
ولا رأت عيناي دمعها يتدحرج على خديها من تحت الوشاح.
ركبت تاكسي. قلت للسائق:
– الداكونة إذا بتريد.
– من وين إنت جاي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.