من كتاب عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (18)

74

فبعد المسنين والمصابين بالسل، أو الذين سبق لهم وتدولبوا وما زالو يعانون من كسور في أطرافهم أو أضلعهم، فنحشرهم في الزوايا حيث لا تطالهم أعين الحراس. وحدث غير مرة أن افتدى أحد الشباب بنفسه مسنا أو مريضا أسموه معلما، فيخلصه من دولاب أو 500 جلدة، وهو
العقاب الأقل من بين جملة مايبتدعه المسؤولون من وسائل تعذيب.

الحمام بما أن الأدوات الحادة ممنوعة في تدمر، ابتدعنا وسائل قطع ووصل لاتخطر في بال.

وفي إحدى المرات صنعنا دوشا من البلاستيك قطعناه بحدة الخيط! نعم، قصصنا كل ما نريد بخيطان النايلون.

كنا لذلك نستعين بالكلسات أو بقطع الثياب البالية التي نتحايل على أنسجتها، فنعزلها ونأخذ بلفها على بعضها حتى تصبح متماسكة تماما تقطع كالمنشار.

فنقطع بها التفاح والبيض لنتوزعه فيما بيننا. أما الدخول إلى الحمام فلا يتم إلا من خلال المسؤول عن الأدوار الذي يوزع علينا أرقاما وندخل بموجبها لقضاء الحاجة مع الترؤف بحالات الإسهال المرضية التي يعاني منها أغلب المعتقلين بيننا. وقد عمدنا إلى عزله عن باقي المهجع ببعض أكياس النايلون التي خطناها بطريقتنا الخاصة، والخاصة جدا.
وكانت الإدارة تتكرم علينا بثلاثة ألواح من الصابون شهريا، وقد تتأخر أكثر من ذلك أحيانا.

وكانت تخصص لغسل الثياب والجلي والاستحمام…

لكنها غالبا ما كانت تذوب قبل موعد التسليم الجديد، فنضطر إلى الاستحمام بالماء البارد لاغير.

أما الأواني والملاعق فكلها بلاستيكية صنعناها بأنفسنا من غالون الماء إياه. فأذبناه بالخيط المحمى على نار غالبا ما نشعلها للحظات بواسطة زجاجة النظارات الطبية الخاصة بأحد الزملاء.

وشكرنا الإله على ضعف نظر البعض بيننا، إذ لولاهم لما عرفنا النار أو الدخان.
والتدخين داخل المهجع ممنوع.
كان يسمح لكل مهجع باقتناء مقص واحد للأظافر يضعه الحارس بعهدة رئيس المهجع… ويا ويله إذا انكسر… وكان علينا أن نبقي أظافرنا مرتبة على الدوام. ولخوف رئيس المهجع أن يكسره أحد السجناء أمرنا الرئيس بأن نحف أظافرنا على الباطون لنقلمها… ففعلنا… أما لرتق الثياب وتقطيبها فنستعين بإبرة من عظمة الدجاج وخيطان من أكياس الخبز البلاستيكية كما ذكرت آنفا.
فرضت علينا قسوة الحياة في السجن أن نكتفي بالقليل القليل لدينا، وعندما تضيق بنا الظروف نلجأ إلى البدعة، تماما كما فعل الإنسان البدائي ليستمر…إنها غريزة البقاء، أو لعلها مشيئة الحياة التي فينا، والتي دفعتنا إلى مكافحة كل الصعاب لا لشيء غير يوم تكون فيه إشراقة الشمس طلعة حرية… وما أغلى الحرية!
ومن أكثر ما كان يخيفنا أن يسأل الرقيب أو مدير السجن عن حالات المرضى بيننا بخاصة أنهم لم يكونوا ليفعلوا إلا إذا عجز المسؤول الصحي أو الطبيب السجين في كل مهجع عن معالجة الحالة…

وكم حصل…! وتعودنا أن نجد وبخاصة بين الإخوان المسلمين أو أعضاء حزب العمل الشيوعي وحتى حزب البعث العراقي أطباء مهندسين. أما في المهجع حيث قبعت، كوننا كلنا لبنانيون لا طبيب بيننا، فقد أتو لنا بواحد من مهجع الإخوان المسلمين من آل سوادي.

وبانت مآثر هذا الطبيب البطولية عندما انتشلنا أكثر من مرة من أنياب الموت، بخاصة عندما أصبنا بداء التهاب السحايا الذي ذهب ضحيته الكثير من بيننا، وأحدهم شاب لبناني يدعى حسن هوشر من إحدى قرى عكار.

وهذا الطبيب جراح ماهر، إذ نجح في تقطيب مئات الحالات الناتجة عن الضرب بآلات حادة من قبل الشرطة، ناهيك عن كسر الأيادي والأطراف نتيجة الضرب المبرح.
حتى إنه أجرى عملية نزع الزائدة الدودية لأحد المرضى داخل مهجع من دون بنج.

التنفس فترة التنفس اللعين المقيت تبدأ من أول آذار وتنتهي مع نهاية أيلول. طبعا، هي تنفعنا لأن أجسادنا بحاجة ماسة لنور الشمس.

ومن من المساجين لايحب أن يمشي تحت أشعتها؟
يتكلم مع رفاقه، يشرب الشاي والقهوة، أو << يفقي >> البزر الخ… طبعا، الجواب كل مساجين العالم يقبلون مئة في المئة ماعدا مساجين سورية وخصوصا سجن تدمر العسكري السياسي…هناك التنفس له طعم آخر. فهو وجد فقط للتعذيب والعقوبة الاإنسانية، والحط من كرامة الإنسان وحقوقه، وفيه شتى أنواع التعذيب، حيث يسمح للسجان بأن يمارس هوايته الاإنسانية من دون
مراقبة من أحد.

يبتدع نوعا من التعذيب وينفذه فورا، ويسجله باسمه كأنه اختراع يخاف أن يسرق أحد تصميمه منه، مثل بساط الريح من دون سجادة… وهو يتمثل هكذا.
يمسك شرطيان اثنان سجينا من يديه ورجليه، يلوحان به في الهواء، يعدان. واحد، اثنين ثلاثة ويرميان به فوق رفاقه على رؤوسهم وظهورهم… ويسمع صراخ سبعة أو عشرة سجناء متضررين من هبوط بساط الريح فوق رؤوسهم.

أو وقفة العز التي يعتز السجان الخبيث بأن يوقف أمامه سجينا يأمره بأن يغمض عينيه ولا يرف له جفن وإلا قلع إحداهما… وبأن يضع يديه
مكتوفتين خلف ظهره ويقف متأهبا مثل الجندي أمام مرؤوسه، ويأمره بأن يرفع رأسه عاليا، ويلويه إلى الخلف بحيث يبرز بلعومه إلى الأمام، مغمض العينين، مكتوف اليدين، وقفة استعداد. يتركه لبرهة هكذا كي يخيل للسجين بأنه نسي أمره.

وبلمحة بصر نسمع شهقة كالتي يرسلها من بلع لسانه وذلك من ضربة جيدو على عنق السجين تقطع أنفاسه، أو ركلة فوقصدره… أو أن يركض و << يتحمى >> كأنه يقفز ويلبطه << لبطة البغل >>، يرديه أرضا من دون حراك.

أو أن يأمر جميع المساجين بأن ينزعوا عنهم ثيابهم الخارجية ويبقوا بملابثهم الداخلية ويقول: << الجميع زحف كواع وركب >> أي أن ندب على الأربع كالحيوانات، كما يقول لنا.

ولكن بدل أن نضع أكفنا على الأرض نزحف على الكوع والركبة، رؤوسنا مطأطأة على الأرض، والكرباج على رؤوسنا وأجسادنا نضرب به، ضف إلى ذلك
الركلات، والشتائم، التي تصب بسرعة هائلة…

تدور، حسب ما يأمر، حيوان ولاه في الأول عاليمين… إنت منيك معلي راسك تعى لهون.
من منكم تدمى؟يريني الجرح يسمح له بالدخول إلى الغرفة.

طبعا، لايستطيع أحد أن يتصور الفوضى والخوف والهلع الذي لا نحسد عليه.

كل يتلطى برفيقه كي لا يصاب بالكرباج، كل يهرب نحو الحائط، ليتجنب الضرب، والشرطة تلاحقنا تدوس على ظهورنا كي تعيدنا إلى النظام ولكن كيف…؟! أفضل طريقة للخلاص… كما فعلت أنا ودخلت باكراً إلى الغرفة، حففت ركبتي بقوة على الباطون فجرحت وسال الدم، وكذلك الثانية.
وضعت يدي على الركبة نقلت الدم إلى كوعي اليمين واليسار ووضعت قليلا من الدم على أنفي ووجهي… رفعت يدي المدماة وقلت: سيدي الدم يسيل مني… ركلني وضرب الكرباج برأسي وأمرني بأن أدخل الغرفة. كنت أول الداخلين، وخسارتي طفيفة. جرح على الركبتين اليمنى واليسرى، كرباج على رأسي ولبطة على قفاي… الحمد لله كانت خسارة بسيطة بالنسبة إلى غيري.

منهم من ضرب بقسطل إنش ونصف على الظهر، أو ركب الرقيب العسكري على ظهره مثل الحمار، أو جره حتى تدمى، أو لطمه ليرى الدم… هذا مايسمى كواع وركب.
ومن الإبداعات في التعذيب أيضا، تعصيب العينين دون عصابة، ( طماشة )، وهي أن يضرب رأس السجين بالكرباج العريض من الأمام، أي إذا أراد إغلاق العين اليمين بضرب الكرباج من الأمام على وجه السجين من الجهة اليسرى فيلتف الكرباج على الرأس من الجهة الخلفية إلى
الأمام بقوة هائلة ويلتطم بالعين اليمنى.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.