من كتاب عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (10)

ذكريات من تدمر واخواته، باب الهجرة الى الجحيم: من بيروت الى السويداء

——54——
هنا، تصرف الرقيب بحنكة وإدراك تام، وقد أراد أن يرى الجميع مدى محبته ووفائه للرئيس.
فقال لرئيس المهجع:
– مين شاف الحلم؟
– أنا سيدي…
– عند التنفس(1) ذكرني بحالك، مفهوم ولاه؟
– حاضر سيدي…
وعند التنفس أتى الرقيب المذكور… ومعه الدولاب وقال للحالم يا… انزل بالدولاب ولاه… لو ما إنت عمال تفكر بالرئيس ما حلمت هيك ياكلب …! وكان عقابه ثلاثمئة جلدة… فقط لأنه رأى الرئيس في منامه.
يروي أحدهم أنه رأى يوما عنترة بن شداد راكبا على حصانه يسل سيفه بيده… هاربا من الرقيب الذي لحقه ومعه كابل ليجلده… وفسر الحلم بأنه لو وجدت تدمر وسجنها العسكري أيام عنترة بن شداد، لما كان العرب سمعوا بعنترة… ولا ببطولاته…
وحلم أحدهم بأن ذئبا هجم على القصر الجمهوري ومر بين الحرس من دون أن يراه
أو يشعر به أحد… وخرج حاملا بين أنيابه أحد أبناء الرئيس… وبعد أن ابتعد الذئب قليلا بفريسته تنبه الحرس، فأطلقوا النار عليه، وسمع دوي الرصاص في كل أنحاء سورية.
(1) يفترض <<بالتنفس>> أن يكون بإخراج السجناء من الزنزانات ولكنه ينتهي عادة إلى 15 دقيقة من الضرب المبرح ——55——
انتهى الحلم؟ فظن أحدنا بأن كارثة ستحل بالقصر، وأن أحدهم سيصاب بأذى. تناقل المساجين الحلم حتى وصل الخبر إلى الإدارة.
ووقعت الكارثة بموت نجل الرئيس، البكر المهيأ ليخلف أباه… باسل الأسد…!
فما كان من الإدارة إلا أن أرسلت بطلب من رأى المنام ومفسره… وعوقب بشدة لمدة طويلة… بعد ذلك أقسم الجميع بأن يحلموا ولا يفسروا رؤاهم… حتى ولو كانت عن زوجاتهم وأولادهم… طبعا، أروي هنا رد فعل إدارة السجن والسجانين الأغبياء، الذين ينزلون العقوبات بنا، خارقين حقوق الإنسان والإنسانية كلها، (<< من دون معرفة من المسؤولين>>!…) فالحقيقة مقدسة وتقال…
وكام ( المرحوم) باسل قد أطلق حملته الشهيرة ضد الفساد كائنا من كان المذنب، بدءا بأقرب المقربين إليه.
هكذا، شغل أكثر من ثمانمئة سجين من مهربين، لاعبين بأمن البلاد واقتصادها، وكان بينهم ضباط كبار ملأوا جناحين كاملين من سجن صيدنايا… بينهم رجال أعمال وأقارب المرحوم باسل إلى سائس خيله ومدرب الفروسية الخاص به.
وبعد وفاة الفارس المرحوم أتت إدارة سجن صيدنايا بالسائس. وبدأ الشرطيون بجلده،
وضربه وستمه على أن حول إلى سجن تدمر كتدبير فوري من دون<< علم المسؤولين الكبار>>…
——56——
لقد أساءت تصرفات إدارة السجن الرعناء ضد المعتقلين، إلى النظام أكثر مما فعل الحكم القائم؟ وبدوري أسجل هذا الموقف من موقع شاهد عيان… وقد أمضيت في السجن 13 سنة عايشت خلالها الغباء، والمزاجية والبطش حتى من أقل المسؤولين رتبة وأهمية.
قلع الأضراس والأسنان في تدمر
وجع الأسنان معروف بصعوبته… بخاصة في غياب المسكنات أو عقاقير معالجة الألم… وفي <<الحرية>> قد يستعين المريض بقطنة من العرق، أو يأخذ حبة أسبيرين إلى أن يزور الطبيب المختص… أما داخل السجن، وبصورة خاصة سجن تدمر، فعلينا أن نتدبر أمرنا بغير ذلك.
وشاء سوء حظي أن يؤلمني ضرس متورم لدرجة أني لم أعد أستطيع تحريك فكي. فبت أتوجع حتى عندما أفتح فمي لتنشق الهواء… كان بيننا في المهجع سجين له خبرة بقلع الأضراس غير مرة، فذهبت إليه وعندما ألقى نظرة داخل فمي قال:
– تعال غدا ليكون الورم قد خف قليلا.
– ولكنني أتالم بشدة!
– تعال غدا.
الموعد إذا، في الصباح التالي بعد التفقد…
——57——
جهزت نفسي: فحضرت قميصا قطنيا عتيقا ومزقته قطعا صغيرة بعد غسله بالصابون…
ثم جدلت حبلا بطول 120 سنتم تقريبا من خيط نايلون من إحدى الكلسات القديمة. وجهزت نفسي لتحمل الألم نتيجة قلع ضرسي المريض… استلقيت على ظهري وأسندت رأسي إلى ركبة << الخبير>>:
افتح فمك وضع العماية على عينيك…
شعرت… بقطعة حديد، ( وكانت يد مقص الأظافر بعد أن بردت على الحائط، فأصبحت في شكل مشرط تفصل بواسطتها اللثة عن الضرس)، تشق طريقها داخل فمي.
نشفت الدماء بقطعة من القميص القطني. لاينج ولا من يحزنون، واستمر الطبيب بمحاولة فصل اللثة… فيمسح الدماء مرة أخرى ليتمكن من رؤية مايفعل، ثم يضع يده في فمي…
يحاول هزه يمنة ويسرة… تخلخل الضرس… تحرك قليلا… وأنا أتألم ولا أستطيع الصراخ مخافة مجيء الرقيب… أشد بيدي على الحرام فيما جلس أحد رفاقي على ركبتي، وثبت آخر رأسي… حالتي بالويل… لف الخبير الحبل داخل فمي حول الضرس وشده إلى الأمام
والخلف بنتعة جبارة خطفت روحي معها… لملم الدماء مرة أخرى…
اتكل على الله…
أومأت برأسي وأنا أشد على نفسي…
——58——
– افتح فمك جيدا… وضع رجليه على كتفي وشد الحبل من جديد، فخرجت مني صرخة ألم صماء تمردت على هلعي…
– انحلت إن شاء الله… مرة ثانية أو ثالثة وبتخلص…
– نور أبيض لمع في رأسي… فأبصرت الضوء في عيني المغمضتين بالعماية…مسح الدماء، وشد ثالثة، فخرج الضرس معلقا بالحبل فيما الخبير يلوح به منتصرا. ثم مسح الدماء ووضع قطعة قماش في البقعة الجوفاء من فمي…
– عض… شد وما تفتح تمك إلا بعد ساعة…
– رأيت الضرس بجذوره الثلاثة مهترئا،وكانت هذه تجربتي الأولى مع الطبابة المستحدثة من روعة السجون… و<<طبيب الأسنان>> حاز خبرته الواسعة من خلال تمرسه بالعمل في أفواه المعتقلين، بحيث اقتلع أكثر من مئة ضرس وسن. وفي إحدى المرات اقتلع ضرسا من الفك الأسفل لجهة اليمين. فقال له المريض:
– شو رأيك لو ترجعه إلى مكانه؟ إنت قطعت العصب مابيوجع مرة ثانية!
– فكرة! ولكن بشيل السوسة والوسخ… وبرجعه… وهكذا حف الضرس على الحائط من جوانبه الأربعة ثم نظفه بالصابون… وبإبرة صغيرة، تحايل عليه ونخره ونظفه ثانية من دون أن يمس جذوره المتشعبة.
——59——
– افتح فمك… سيؤلمك ليلا ولكن عليك أن تعض عليه شوية شوية لكي يأخذ مكانه…
في خمس دقائق انتهت العملية. ومع الأيام عاد الضرس إلى مكانه وشفي المريض من ألمه.
فبعد شهرين التحمت اللثة وكانت هذه عملية الزرع الأولى التي تكللت بالنجاح فتبعتها مرات
كثيرة…
قصة أخرى مؤلمة حدثت قبل أن نجتمع مع هذا المتمرس، كنا في مهجع الباحة الرابعة… وفي
منتصف الليل كان مريض يئن من وجع ضرسه المتورم، فأتى الرقيب وصاح بحارث الليل:
– ولاه، شو هالصوت؟
– مريض يؤلمه ضرسه وهو متورم وملتهب.
– أعطه حبة <<تمارين>> (وهي شبيهة بالأسبرو).
– مافي…
فذهب الرقيب ثم عاد ومعه حبة دواء…
– أعطه إياها، وعند إدخال الفطور ذكرني بحالته كي أجلب له طبيبا…
عاد الرقيب نفسه عند الفطور، وذكره بالمريض…
– جيبو! خليه ينبطح على بطنه ويوضع جسمه على الأرض!
فامتثل المريض وضرسه المتورم إلى أعلى…
– هدي رأسه بيديك… وأمر المريض بأن يتنفس نفسا ًعميقاً…
تفضل دكتور شوف ضرسه…

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.