عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (7)

في النهاية السجن السياسي أصعب بمئة مرة من السجن العسكري.

علي أبو دهن

ذكريات من تدمر واخواته

باب الهجرة إلى الجحيم، من بيروت إلى السويداء
ليوقفنا الإخوان بلطمة أو شدة شعر تخطف من أعيننا الكفيفة ماتبقى لها من نور… وتنطفئ الدنيا… ومعها الأمل ببعض الكرامة والإنسانية… ولم نعد نعلم أي صنف من المخلوقات نحن… وإن كنا حقا من البشر. وضعي كان سيئا جدا، أنزف من جرح فوق عيني، وقد كسر أنفي… كل ذلك بأقل من خمس دقائق… أجلسونا القرفصاء ثم سمعنا صوتا مدويا يقول:
– مني..، إنت ولاه! ولك حيوان إنت…!
كل واحد منا يظن أنه هو الحيوان المقصود…
في النهاية وقفنا إلى الحائط فأتى أحدهم وفك قيودنا تاركا العصابة ثم صاح بلهجة خطابية:
– اسمعوا ولا حيوانات…!
خطاب الاستقبال
أيها …..والحقيرين والكلاب الكرام، لقد أتيتم إلى مثواكم الأخير. حيث ستموتون ميتة الكلاب وتسحبون كالبهائم بعد موتها. لكن، أنتم ياأوسخ البهائم سنسحبكم ونجركم وأنتم أحياء وبذلك ميزة حسنة لكم، ستقاسمون حص الزيتون،الجوع والخوف والجرب رفيقكم.
هنا جهنم الحمرا كما تسمونها في أديانكم… لاتنتظروا الرحمة والرأفة منا ولا من الله لأنه لا يدخل إلى تدمر ولكم في كل يوم .

(1) الوجبة من الضرب المبرح.

مثل اليوم إلى أن تموتوا… وإذا مات أحدكم فسيدفن جنبكم في جورة من البراز.
أيها الكلاب… قولوا حاضر!
-حاضر.
إذا استحلى شي عسكري واحد منكم مسموح له يني…ه وللشرطي الحق في أن يفعل بكم مايشاء… كلمة<<لا>> ممنوعة في قاموس تدمر… حاضر حضرة الرقيب هي الكلمة الوحيدة التي تقال هنا… ممنوع حدا يطلع بالشرطي وإلا تفقأ عيناه!
أبقو أيديكم خلف ظهوركم، راسكم واطي ع طول. إنتو ماعملتو شي بيرفع الراس… منسان هيك وطوا رووسكم على طول… أنتم حثالة المجتمع. ونحن في الشرطة العسكرية لانرحم أحدا…
فلا تطلبوا الرحمة.
نحن من لاقلب لهم، ونحن الشرطة العسكرية، أوسخ من بالجيش وفصيلتنا هي الأقذر. فلو وجدوا من هو أسوأ منا لجلبوهم إليكم فورا.
انتهى الخطاب…
– ولاه وين التصفيق؟! وقفوا ولاه… صفقوا.
فصفقنا له مكرهين استحسانا لرقة كلامه وعذوبة عبارته…

(1) الوجبة من الضرب المبرح.

وفي النهاية السجن السياسي أصعب بمئة مرة من السجن العسكري…
-أنا كنت سخرة، وسجن تدمر موت أحمر…أرخص شي هناك الموتز يا رب استر.
تظاهرت بعدم الأكتراث:
– جئت كي أعود إلى لبنان، وليس إلى أي سجن أخر…!
ضحك اللبناني، وتابع نزيل تدمر السابق…بسرد روايات وقصص يشيب لها شعر الرأس، لبشاعتها وقرفها. أحسست بالغثيان وبدأ العرق يتصبب من جبيني. لاحظ ذلك صديقي، فأسكت التدمري وأمره بالرجوع إلى مكانه. ولكن، داخليا كنت مستاء جدا وكانت الأحلام المزعجة لا تفارقيني أبدا.

مرت تسعة أيام وأنا قابع في فرع التحقيق. فإذا بالباب يفتح في الثانية صباح اليوم العاشر. ينادون باسمي! قال رفيقي: حظك مأير يا علي الله يكون بعونك، تدمر… بدأت بتحضير نفسي للرحيل فودعت زملائي على وقع بكاء صديقي من الحزب الاشتراكي في فراق مر لن أنسى تأثيره الحزين في نفسي.
فأعطاني ما معه من مال وقليلا من الثياب كان قد جمعها بسرعة:
– إنشاء الله بشوفك بخير، انتبه…
عانفته باكيا فيما نظر المساجين إلي بشفقه لم أفهمها… إلا في تدمر

جمعونا في غرفة: ثلاثة وعشرون شخصا وأنا بينهم اللبناني الوحيد. من بين هؤلاء ستة عشر معتقلا، باع أولهم سلاحه الحربي من طراز كلاشنيكوف إلى الثاني… وهكذا دواليك وصولا إلى المعتقل السادس عشر… الذي قتل جاره بالسلاح، فقبض على الجميع… حوكموا بالأشغال الشاقة لمدة ثلاث سنوات، في حين نال الأخير حكما بالإعدام.

انطلقت القافلة إلى تدمر عند الرابعة. كبلت أيدينا و أرجلنا بالجنازير، وحجبت أعيننا بالعصابات تحضيرا للانتقال إلى مثوانا الأخير، كما سماه المسؤول المساعد الذي كان في استقبالنا. دخلنا منكسي الرؤوس رغم كل الحديد الذي يعوق حركة الدم في أجسادنا …وكأن الساعات الثلاث والنصف من الضرب واللطمات لم تكف، فقد نلت نصيبي من ((السحسوح))، والركلات وقد أنعم علي سوء طالعي بموقع قريب من الحارس في المقعد ما قبل الأخيرمن البوسطة.
وللاستقبال الرسمي حساباته الخاصة: إذ توجب علينا المرور بين عشرين شرطيا وقفو على جانبي الدرب بكامل عتادهم: كابلات عريضة، قشط(1)، قضبان حديد بقطر ستة ملم (2)… باختصار شديد: كل ما يؤلم مسموح. كانت معركة حسمت بالكامل لمصلحتهم لعدم التكافؤ. كنا نقع أرضا، تارة نلطم الحائط وطورا نقبل الأرض،

(1) أي شيء يشبه الحزام. فلقد تكون أداة الضرب قشاط مروحة لآلية عسكرية أو حزاما عاديا.
(2) في العادة يلوى رأس القضيب المعدني بزاوية 90 درجة بحيث يمكن أن يستعمل للأذية عن بعد.

ليوقفنا الإخوان بلطمة أو شدة شعر تخطف من أعيننا الكفيفة ماتبقى لها من نور… وتنطفئ الدنيا… ومعها الأمل ببعض الكرامة والإنسانية… ولم نعد نعلم أي صنف من المخلوقات نحن… وإن كنا حقا من البشر. وضعي كان سيئا جدا، أنزف من جرح فوق عيني، وقد كسر أنفي… كل ذلك بأقل من خمس دقائق… أجلسونا القرفصاء ثم سمعنا صوتا مدويا يقول:
– مني..، إنت ولاه! ولك حيوان إنت…! كل واحد منا يظن أنه هو المقصود…
في النهاية وقفنا إلى الحائط فأتى أحدهم وفك قيودنا تاركا العصابة ثم صاح بلهجة خطابية:
– اسمعوا ولا حيوانات…!

خطاب الاستقبال
أيها …. والحقيرين والكلاب الكرام، لقد أتيتم إلى مثواكم الأخير. حيث ستموتون ميتة الكلاب وتسحبون كالبهائم بعد موتها.
لكن، أنتم يا أوسخ البهائم سنسحبكم ونجركم وأنتم أحياء وبذلك ميزة حسنة لكم، ستتقاسمون حص الزيتون، الجوع والخوف والجرب رفيقكم.
هنا جهنم الحمراء كما تسمونها في أديانكم… لا تنتظروا الرحمة والرأفة منا ولا من الله لأنه لا يدخل إلى تدمر ولكم في كل يوم

(1) الوجبة من الضرب المبرح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.