انفجار، أو اغتيال بيروت

الجميع يعرف أن ميناء بيروت التاريخي ممسوك من قبل مليشيا حزب الله، وهي المسيطرة بقوة الأمر الواقع، وأن العديد من المعابر لا يتجرأ أحد على دخولها لأنها محمية منها، بما فيها العنبر 12 الذي قيل أن الانفجار وقع فيه أساساً.

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

أسئلة كبيرة، كثيرة يطرحها انفجار بيروت الرهيب، وأشدّ منها إيغالاً التأويلات المتعددة التي تتمحور حول الكيفية، والجهة المسؤولة، والمستفيدة..

كتب الكثير حول ” قصة” الأمونيا، ورحلة تلك الباخرة التي كانت ستتجه إلى الموزمبيق وعلى متنها 2750 طن من الأمونيا(تنفي الموزمبيق علاقتها) ، وتوقفها في بيروت لتحميل شحنة إضافية ثقيلة قيل أن وضع الباخرة لا يتحمّلها، وهروب معظم البحارة وقرار السلطة اللبنانية المعنية بمصادرة السفينة حتى تدفع رسوم مكوثها في الميناء، واحتجاز أربعة، على رأسهم القبطان لمدة وصلت 11 شهراً، وتصريحاته مؤخراً حول ما جرى وبيعهم للوقود الموجود بها كي يدفعوا تكاليف المحاماة والمحكمة التي أفرجت عنهم، ومصادرة تلك الشحنة وتخزينها بطريقة فوضوية في أحد المعابر بالميناء منذ أواخر عام 2013.

وهذه الألغاز التي لم يكشف ستارها حتى الآن، عن الجهة التي وضعت يدها على تلك الشحنة.

الجميع يعرف أن ميناء بيروت التاريخي ممسوك من قبل مليشيا حزب الله، وهي المسيطرة بقوة الأمر الواقع، وأن العديد من المعابر لا يتجرأ أحد على دخولها لأنها محمية منها، بما فيها العنبر 12 الذي قيل أن الانفجار وقع فيه أساساً، أو أنه كان المصدر الرئيس لذلك الانفجار الذي شبّه بقنبلة هيروشيما الذرّية، وأن الذي جرى لا بدّ وأن اختلطت فيه مجموعة من المواد شديدة الانفجار حتى كان الذي كان وأوقع تلك الخسائر الكارثية بالبشر والأبنية والميناء وبعديد المرافق، حيث وصل التأثير إلى بعد قدّر ب 25 كم علماً ان البحر امتصّ نحو 60% من قوة الانفجار ولنا أن نتصوّر لو اتجهت قوته نحو العاصمة كيف سيكون وضعها، وهل كان سيبقي على حجر أو ساكن فيها ؟؟…ولهذا حين قال سعد الحريري : ” أنه اغتيال لبيروت” كان محقاً في جوانب كثيرة.

رغم اختلاف التقديرات حول الجهة المسؤولة، وما يشبه الإجماع على أن الانفجار ليس عفوياً، ولم ينتج عن ما قيل حول قيام عمال في الميناء بلحام لبعض الأبواب يكون قد تسبب في رفع الحرارة لدرجة بدء احتراق مخزون الأمونيا الذي بدوره أدّى إلى انفجار مواد خطيرة.

التقينا بعدد من اللبنانيين المعنيين بالوضع وما حدث، وتابعنا سيلاً من التحليلات حول ما جرى، والجهات التي يمكن أن تتجه إليها أصابع الاتهام، وهي متناقضة، ومتضاربة، وإن كانت الأغلبية تتفق على أن المسؤولية الأساس تقع على حزب الله باعتباره الجهة المتهمة بتخزين تلك الكميّات، وغيرها من مواد صالحة لصنع المتفجرات، وربما رؤوس الصواريخ.

ورغم اختلاف التقديرات حول الجهة المسؤولة، وما يشبه الإجماع على أن الانفجار ليس عفوياً، ولم ينتج عن ما قيل حول قيام عمال في الميناء بلحام لبعض الأبواب يكون قد تسبب في رفع الحرارة لدرجة بدء احتراق مخزون الأمونيا الذي بدوره أدّى إلى انفجار مواد خطيرة كانت العامل الهام في إعطاء تلك القوة للانفجار وآثاره.

هناك من يحمّل إيران، وذراعها التنفيذي ـ حزب الله ـ المسؤولية المباشرة في التفجير، وتتعدد الأهداف ـ وفق هذا التحليل ـ التي يمكن تحقيقها، من مثل:

1 ـ توقيت الانفجار مع اقتراب الإعلان عن نتائج المحكمة الخاصة باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري، والذي كان مقرراً أن يكون في السابع من هذه الشهر بغرض لفت الأنظار، وتمريره دون ضجّة، وإلهاء الناس بما هو أهم وأخطر؛ لأن حزب الله مدان رسمياً باغتيال الحريري.

2 ـ تخويف المعارضين، أهل بيروت خصوصاً، ولبنان بالعموم، من قدرات يملكها حزب الله ولا طاعة لأحد بتحمّلها، وبما يؤدي إلى مزيد من الخضوع والخنوع والسكوت على فساد وفشل الحكومة الحالية التابعة لحزب الله، وعدم القدرة على إسقاطها.

من صور الدمار الذي خلفه الانفجار(روسيا اليوم)

3 ـ استهدف الانفجار وسط بيروت الحيوي الذي تقطنه أغلبية مسيحية بنتائجه الخطيرة التي يمكن أن تدفع الآلاف من أبناء تلك الطائفة إلى الهجرة الخارجية، وإلى ضرب الاقتصاد الخاص بهم.

4 ـ العمل على اتهام رئيس الحكومة السابق ـ سعد الحريري ـ وفريقه بالمسؤولية عن وجود تلك المواد المخزّنة بكل التبعات التي يمكن أن تبدأ بالسكوت على نتائج المحكمة الدولية، وتنتهي بالصمت عن أداء الحكومة الحالية المحسوبة على حزب الله، وعن الحصار المضروب عليها، والذي يراد اتهام الحريري بأنه عامل مهم فيه، وتهديده كي يغيّر موقفه.

5 ـ فتح الباب لإعادة العلاقات العربية والدولية بالحكومة الحالية من خلال توظيف الجانب الإنساني، واستثماره لفكّ حالة الانهيار القائمة بعموم الوضع اللبناني، وبالحكومة والنظام.
في المقابل:

1 ـ هناك من يرى أن التفجير تمّ بفعل فاعل خارجي يمكن أن تكون إسرائيل، أو أمريكا والذي استهدف بشكل رئيس مخازن اسلحة من النوع المتطور العائد لحزب الله، أو تدمير مواد حيوية تدخل في صناعة رؤوس الصواريخ التي يعدّها حزب الله ويهدد بها إسرائيل.

الانفجار لن يمرّ مهما كانت محاولات التهرّب، وافتعال وقائع للتبرير، إنه زلزال لبناني ستكون تداعياته كبيرة، ومؤشرات كثيرة تدلّ على أن سيطرة حزب الله، ومن خلفه إيران على الوضع اللبناني قد آن أوان نهايتها.

2 ـ التصريحات الإسرائيلية لرئيس الوزراءـ ووزير الدفاع، قبل أيام من وقوع الانفجار، بوجود مخازن أسلحة ومواد استراتيجية يمتلكها حزب الله وأنها ستكون هدفاً إسرائيلياً قادماً.

3 ـ هناك من يعتبر أن تلك الأداة الخارجية لم تقدر بدقة حجم المواد المخزّنة، ولا مفعولها القوي وما ألحقته من خراب وضحايا في منطقة حيوية تجاوزت الميناء إلى مساحات كبيرة من العاصمة، لذلك من الصعب الاعتراف بالجهة الفاعلة لما يرتبه ذلك من مسؤوليات ومن مواقف دولية.

4 ـ التفجير بنتائجه سيزيد أعباء الحكومة اللبنانية المنهارة وقد يؤدي إلى إنهائها، رغم سيل المساعدات وفتح الأبواب المغلقة لزيارات متواصلة من جهات خارجية عديدة، كانت زيارة الرئيس الفرنسي من أهمها.

حسن نصر الله في خطابه بتاريخ 8 آب، حاول أن يظهر كالحمل الوديع ينفي أي علاقة لحزبه، ليس بالشحنة فقط بل بأي وجود أو سيطرة في الميناء، وأن هناك جهات معادية، داخلية وخارجية، تقود حملات الاتهام، وإطلاق الأحكام قبل صدور نتائج التحقيق.

التحقيق الذي يجري من قبل الحكومة اللبنانية، وتحت جميع العناوين والأسماء لا يلقى ثقة لدى الجمهور العريض من اللبنانيين؛ لأن مصداقية أي لجنة تحقيق مفقودة؛ لذلك تطالب قوى سياسية وشعبية بتشكيل لجنة تحقيق دولية وإلا فالحقيقة ستطمس، وستميّع الحقيقة وقد تقدّم بعض كبوش الفداء من النوع الصغير.

الانفجار لن يمرّ مهما كانت محاولات التهرّب، وافتعال وقائع للتبرير، إنه زلزال لبناني ستكون تداعياته كبيرة، ومؤشرات كثيرة تدلّ على أن سيطرة حزب الله، ومن خلفه إيران على الوضع اللبناني قد آن أوان نهايتها، وأن لبنان الجريح، والمنهار اقتصادياً ليس أمامه من مخرج سوى إقامة الدولة السيدة التي تكون هي الجهة الوحيدة المتحكمة بكافة الأمور وأولها السلاح الذي يجب أن يتبع للجيش فقط.

ورغم هول المصاب، وحجم الدمار، وأوضاع الشعب اللبناني الصعبة، فإن شعب ثورة 17 تشرين لن يستكين، وسينتفض هذه المرة بأداء مختلف يليق بالوفاء لبيروت وشهدائها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.